‏إظهار الرسائل ذات التسميات منوعات مقتبسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منوعات مقتبسة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 17 نوفمبر 2011

Twelver Shiites الإمامة ) الشيعة الاثني عشرية)



الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية: دراسة نقدية .

أحاول في هذه الدراسة إيجاز نشأة وتطور فكرة الإمامة عند مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية ووضعها في إطارها التأريخي بعيدا عن دوغما العقيدة الإثني عشرية.
تؤمن الشيعة بالإمامة، وهي "القيادة السياسية الدينية"(1)، ويرى جمهور الإمامية الإثني عشرية أن منكر الإمامة خارج عن الدين وهو كافر حقيقة ، ومحروم من النجاة والسعادة يوم القيامة، وإلى ذلك ذهب الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والشيخ الطوسي ونور الله التستري والبحراني صاحب الحدائق ومحمد حسن المظفر وباقر النجفي والمرعشي النجفي وغيرهم كثير، وخالف في ذلك البعض فرأى أنها من اصول المذهب لا من اصول الدين منهم كاشف الغطاء والإمام الخميني والشهيد مطهري والسيد الطباطبائي(2).
فكيف تطورت فكرة الإمامة تأريخيا حتى وصلت إلى العقيدة التي تتطلب الايمان بإثني

عشر إماما؟، وما هي أهم الإشكاليات في معتقد الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية؟، هذا ما تحاول هذه الدراسة إيجازه. 
بداية كان للأئمة نواب في الأماكن التي يوجد فيها الشيعة يهتمون بأمرهم ويجبون الأموال منهم وهو ما تحصل النزاعات بينهم بسببه عادة حتى أن بعضهم كان يزعم الغيبة للإمام بعد موته تهربا من دفع الأموال التي جمعها لمن تصدى للإمامة بعده. وكان الشيعة يعملون بسرية تامة خوفا من مراقبة الحكومات، ويتفق المؤرخ د. جواد علي مع شتروتمان أنه لم يكن هنالك أئمة حقيقيين بل كانت السلطة المطلقة بيد الوكلاء، ويرى جواد علي أن اختلاف وتضارب روايات أتباع الوكلاء وأصدقاء الإمام يرجع إلى تلك النزاعات مما أورث التعارض في جميع تراجم الشخصيات الشيعية المهمة، كما يذكر أن الأئمة لم يقوموا بعد الحسين بالعمل السياسي وقد بايعوا الخليفة وأن جميع الأئمة بعد جعفر الصادق قد ابتعدوا عن السياسة وعن الناس باستثناء علي الرضا الذي لم يطلب ذلك بل اختاره المأمون خليفة له.(1)
ومهما يكن هنالك من إشكالات في فرضية وجود الإمام ومعرفته وعملية التواصل معه فإن الشيعة يؤمنون بوجوب معرفة الإمام وطاعته وأنه يكون من نسل علي بن أبي طالب وفاطمة ابنة نبي الإسلام اعتمادا على نصوص مروية عن نبي الإسلام منها "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي" وحديث "أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي من بعدي" وحديث "من كنت مولاه فهذا علي مولاه...." ولهذا الحديث زيادة عند الشيعة غير معتمدة عند أهل السنة، وتبحث الإمامية دوما عن الإمام المعصوم في نسل الحسين والذي يعرف عند الإمامية بالنص عليه، وتعتمد الشيعة الإمامية في إثبات العصمة بصورة أساسية على ما يعتبره متكلموهم "أدلة عقلية" لا حاجة للاطالة في الحديث عنها فالواقع يبطلها كما سيأتي، وهم بتلك "الأدلة" علاوة على النصوص الموجبة للتمسك بعترة نبي الاسلام يردون دعوى أهل السنة وغيرهم ممن قال بالخلافة وأنهم يقوّمون الخليفة إن لم يطع الله والرسول معتمدين في فهمهم للدين على تفاسيرهم المختلفة لنصوص القرآن والسنة واختراعاتهم المتمثلة باصول الفقه وما يدعى بعلم الحديث والتي هي بدورها غير معصومة أيضا ومبنية على الظن الذي أجازوه بذرائع واهية كما بينا بعضها في موضوع بين شعار الإسلام هو الحل وحقيقة الإسلام السـّنـّي، وهذه الاختراعات لم تكن موجودة عند الشيعة الإمامية في فترتهم المبكرة فقد استغنوا عنها حسب اعتقادهم بالإمام المعصوم الذي يغنيهم عن تلك الوسائل، لكنهم سيضطرون إلى اللجوء إليها لاحقا بعد فترة من موت الحسن العسكري دون ولد أو غياب ابنه حسب اعتقادهم وكما سيأتي.
يظهر من تتبع معتقدات فرق الشيعة في الفترة المبكرة أن النص على اثني عشر إماما لم يكن له ذكرا عندهم مما يوحي أنه لم يُروَ أو لم يَثبـُت عن أئمتهم في تلك الفترة رغم أننا نجد نصا مقاربا في حديث أهل السنة لا سيما لفظ البخاري للنص المروي عن نبي الإسلام وهو "سيأتي بعدي إثنا عشر أميرا ..... كلهم من قريش" (في لفظ رواية مسلم "اثنا عشر خليفة") (3)، ويظهر أن الفكرة تقليد للنقباء الإثني عشر لبني إسرائيل الذين أشار إليهم القرآن على سبيل المثال في قوله "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا" (المائدة / 12)، أو لحواريي المسيح الاثني عشر، لكن أهل السنة لم يجرؤوا على الإعتراف بأنه تقليد مقتبس بشكل يكاد يكون حرفيا من اليهودية أو المسيحية ووجد طريقه إلى أصح كتابين عندهم بعد القرآن مع كل الإحتفاء به من قِبَل الشيعة الإثني عشرية رغم أن الأخيرين لم يستخدموه في تأريخهم المبكر كما سيأتي بيانه ولم يلجأوا إليه إلا لقدرته على حل إشكال موت إمامهم الحادي عشر دون ولد، مع حل مشكلة تطابق العدد باختراع شخصية الإمام الثاني عشر وغيبته.
ويظهر اختلاف الشيعة الإمامية بعد موت الإمام عادة في كتب الفرق ومنها كتاب "فرق الشيعة" للشيعي الإمامي الحسن بن موسى النوبختي (الذي توفي بين 300-310 هـ حسب جواد علي)، وبمطالعته نجده يؤيد ما يذهب إليه الباحث أحمد الكاتب من أن الشيعة الإمامية كانوا يتحدثون في القرن الثاني والثالث الهجري عن استمرار الامامة الى يوم القيامة وعدم تحديد عدد الائمة برقم معين (3)، مما يبين أن تحديد عدد الأئمة باثني عشر قد تم اختراعه مؤخرا عند الإمامية ووُضِعت الأخبار في ذلك عندهم، وهذا لا يعني أن فكرة القائم المهدي لم تكن قد دخلت إلى الاسلام قبل ذلك لكن العدد "اثني عشر" لم يكن له ذكر بل كان المعتبر أن الإمام ينص على الذي بعده حتى إن الشيخ الصدوق يبني اعتقاده بصحة روايات الإمامية التي نصت على اثني عشر إماما على تأييد روايات أهل السنة لها(3).
أما عن الكتب التي ذكرت روايات توصية الإمام لشخوص السفراء لتولي تلك المهمة فيعترف رجل الدين الشيعي كاشف الغطاء أنها من أخبار الآحاد لكنه يزعم أنها "أمينة بحيث يمكن إقامة رأي علمي عليها دون حرج" لكن جواد علي يشير إلى أن هنالك روايات متناقضة في تلك الكتب حول هذا الأمر منها ما يذكر أن أم الإمام الحادي عشر هي النائب عن الإمام الثاني عشر. (1)
وقد تعرض المعتقد الشيعي الإمامي لمصاعب كثيرة عبر التأريخ فمثلا يذكر النوبختي أن أبا عبد الله جعفر بن محمد قد أوصى لابنه اسماعيل بالإمامة فمات إسماعيل في حياته فارتدت جماعة من أصحابه وقالوا عن جعفر "كذبنا ولم يكن إماما لأن الامام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون"، ورووا أنه قال مبررا موت إسماعيل رغم تسميته له إماما "إن الله بدا له في أمر إسماعيل" فرفض بعض أصحاب أبي جعفر محمد بن علي القول بالبداء ومالوا إلى مقالة سليمان بن جرير الذي أشار لأصحابه إلى أن أئمة الرافضة يلجأون إلى القول بالبداء لتبرير ما يقع من خطأ في تنبؤهم لما يكون في المستقبل وإلى إجازة التقية لتبرير نسيان فتاواهم السابقة والقول بخلافها، وقد انقسمت شيعته بعده إلى ست فرق منها فرقة لم تعتقد بموته تدعى الناووسية قالت إنه سيظهر ويلي أمر الناس وهو القائم المهدي، ومنها فرقة قالت بإمامة عبد الله بن جعفر الأفطح الذي مات دون ولد فانضموا لمن قال قبلهم بإمامة موسى بن جعفر. وادعت القرامطة أن محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الإمام القائم المهدي.(4)
وبعد موت موسى بن جعفر في سجن الرشيد افترقت شيعته إلى خمس فرق نذكر منها فرقتين، فرقة قالت أنه لم يمت ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها عدلا كما ملئت جورا وأنه القائم المهدي ورووا عن أبيه جعفر روايات تؤيد ذلك، وفرقة قالت بإمامة علي بن موسى الرضا، ومات الرضا وتفرق أتباعه من بعده فقد كان أكبر عمر أبنائه وإسمه محمد سبع سنين وكان قد تركه إلى خراسان وعمره أربع سنين وأشهر، لذا رجعت فرقة إلى القول بالوقف وذهبت الاٌخرى إلى إمامة أحمد بن موسى.(4) لكن فرقا اُخرى من الشيعة رأت أن الإمامة لا ترتبط بسن معينة (1) وهو ما قد يستغربه المتدينون المخالفون للشيعة كأهل السنة ويتساءلون عن كيفية إنهاء طفل عمره أربع سنوات للتعلم من الإمام الذي قبله أو بإلهام من الله مباشرة (5)، غير أن أهل السنة كالشيعة لا يرون إشكالا في الإيمان باسطورة مقاربة هي كلام عيسى في المهد رغم عدم اعتماد المسيحيين أنفسهم لانجيل الطفولة الذي ذكرها وعدم إيمانهم بها بل بأساطير اُخرى مثل إحياء يسوع المسيح للموتى وإبرائه الأكمه والأبرص التي لا يستغربونها هم ولا المسلمون لمجرد ذكرها في كتب يقدسونها.
ونعود إلى سلسلة الأئمة، فبعد محمد بن علي بن موسى، صارت الإمامة إلى ابنه ووصيه علي بن محمد بن علي بن موسى (أبو "الحسن العسكري") فلما توفي اختلفوا إلى فرق منها فرقة تضم كثيرا من أصحابه ذهبت إلى إمامة ابنه الحسن العسكري الذي هو الإمام الحادي عشر عند الإثني عشرية وكانت الصدمة حين مات الحسن العسكري (عام 260 هـ) دون ولد فاختلفوا إلى فرق يعد منها النوبختي ثلاثة عشر فرقة فمنهم من قال إنه لم يمت لكنه غاب وإنه القائم، معتبرين أنه لا يجوز للإمام أن يموت ولا ولد له ولا خلف معروف ظاهر قالوا فنحن مضطرون للوقوف عليه لأن الأرض لا تخلو من إمام فلا بد أنه غائب!، وفرقة ثانية قالت بنحو ذلك غير أنها صدقت بموته وبأنه حي بعد الموت، وفرقة ثالثة قالت بموته وزعموا أن الحسن قد أوصى بإمامة أخيه جعفر من بعده رغم كل العداوات بينهما في حياتهما ورجعوا عن قولهم في منع وصية الأخ لأخيه وأن الإمامة يجب أن تكون في عقب الإمام بعد الحسين، وفرقة رابعة رجعت عن الاعتقاد بإمامة الحسن وادعت بطلانه لأنه لا خلف له وقالت بإمامة جعفر من طريق أبيه حيث أنكروا أنه يجوز حسب قول جعفر بن محمد وغيره من أئمتهم أن تكون الإمامة بين أخوين بعد الحسن والحسين، أما الخامسة فلم تجد مهربا من الصفات الذميمة لجعفر الذي هو ظاهر الفسق ولا من عدم وجود خلف للحسن إلا بإنكار النص على أي منهما والقول بأن الإمامة لمحمد بن علي الذي مات في عهد أبيه لأن له عقب معروف قالوا ولا مناص عن ذلك سوى بطلان الإمامة أصلا وهو ما لا يجوز، والفرقة السادسة تفرض له ولدا "اسمه محمد" للخروج من المأزق متمسكين بأن إمامة الحسن ووصيته ثابتة ولا يمكن التراجع عنها وبالتالي لا بد له من خلف ومن إمامة هذا الولد وبرروا اختفاءه بالتقية خوفا من عمه جعفر وغيره من أعدائه! وأنه في إحدى غيباته وأنه هو الإمام القائم وزعموا أنه عرف في حياة أبيه وأنه قد نص عليه، بينما كذبتهم الفرقة السابعة في دعوى وجوده أثناء حياة الحسن فقالوا أن ذلك لا يخفى وأن الولد لا بد أنه وُلِد بعد موت الحسن بثمانية أشهر وأنكرت ذلك الفرقة الثامنة وقالت لا ولد للحسن أصلا، قالوا "لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له أن له ولدا لجازت مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف ولجاز ذلك في النبي ........ لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي لم يخلف ذكرا من صلبه فالولد قد بطل لا محالة ومع ذلك فهناك حبل قائم فإنه لا يجوز أن يمضي الإمام ولا خلف له فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجة"، ورُد عليهم بأن الحبل لا يكون أكثر من تسعة أشهر وأن الحبل الذي ادعوه قد مضى عليه سنون ولا بينة على قولهم، وقالت التاسعة إن وفاة الحسن قد صحت لكثرة المشاهدين لموته وتواتر ذلك عن أوليائه وأعدائه كما صح بمثل ذلك أن لا خلف له، وأن الإمامة قد انقطعت بعد الإمام الحادي عشر الحسن العسكري" كما انقطعت النبوة من قبله وزعموا أنه ليس في قولهم هذا بطلان الإمامة، وكذلك لم تزعم ثلاثة فرق اُخرى أن للحسن العسكري ولدا، فقالت إحدى تلك الثلاثة إن الأمر قد اشتبه علينا وقد كثر الإختلاف وإن الأرض لا تخلو من حجة ونحن "نتوقف ولا نقدم على القول بإمام بعده إذ لم يصح عندنا أن له خلفا وخفي علينا أمره حتى يصح لنا الأمر ويتبين".(4)
وأخيرا يذكر الكاتب رأي فرقة يصفها بأنها "الشيعة الإمامية الصحيحة التشيع" وأنها تمثل المأثور عن الأئمة، وهو أن الإمامة بعد الحسن والحسين لا يجوز أن تكون في الأخوَين وأنها في عقب الحسن بن علي (العسكري) "إلى فناء الخلق وانقطاع أمر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده متصلا ذلك ما اتصلت امور الله" وأن الأرض لو خلت من حجة لساخت هي ومن عليها، وهم مؤمنون بأن للحسن (العسكري) خلفا من صلبه سيظهر ويعلن أمره كما فعل نبي الإسلام في بداية أمره في مرحلة الدعوة السرية في مكة حيث "ترك إظهار النبوة التي هي أجل وأعظم من الإمامة".(4) .. انتهى الإقتباس من كتاب "فرق الشيعة".
والآن نلخص أهم ما نفهمه من هذا الكلام:
1- أنه لا وجود لأي نص على إثني عشر إماما مما يدل على أن الأخبار التي يرويها الإثنا عشرية اليوم موضوعة، وُضِعت ثم اشتهرت بعد الغيبة الصغرى عندما رأى الناس عدم ظهور ذلك الإمام.
2- أن الشيعة الإمامية كانت ترى استمرار الإمامة إلى يوم القيامة مما يؤكد رفض أي عدد محدد للأئمة.
3- أن الإعتقاد بوجود ولد للإمام الحسن العسكري كان مسألة إيمانية عقائدية لا دليل تأريخي عليها.
4- أن الاعتقاد كان سائدا بين من اعتقد بالغيبة أن الغيبة لن تطول حتى أنهم يستدلون على جواز غيبة الإمام بزمن الدعوة السرية لنبي الاسلام في مكة!
وأقصى ما قيل في الفترة بين كل هذه الفرق هو قول الفرقة التاسعة أنها كالفترة المعتبرة بين عيسى ومحمد وهي حوالي ستة قرون وقد تجاوزت الغيبة اليوم هذه الفترة بأكثر من خمسة قرون، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذه الفرقة جوزت إنقطاع الإمامة خلافا لغيرها من الفرق وتروي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد أن "الأرض لا تخلو من حجة إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم فيرفع عنهم الحجة إلى وقت" وسيأتي الرد على من يلقي باللائمة على الناس في غياب الإمام.
وليس من الغريب أن تظهر شائعات بين بعض الشيعة بعد موت إمامهم دون ولد حول وجود ابن "مخفي" لذلك الإمام أسموه "محمد بن الحسن العسكري" لينقذوا مذهبهم.
يخبرنا جواد علي أن الحل في ذلك "الوضع المتأزم" بعد موت الإمام الحادي عشر دون ولد عند كثير من الشيعة قد تمثل بأنه قد كان للإمام ولد، وكان هناك شهود كثيرون على ذلك رأوا الولد، وكان هذا الولد خليفة أبيه، وقد أخفاه الله خوفا عليه من الخليفة فهو لا يتصل بالناس إلا عن طريق وكيله، ويحدثنا المؤرخ عن الاختلافات بين من أثبت ولدا للحسن العسكري فعن ولادته كان مقترح أقدم كتب الشيعة الاثني عشرية ذات العلاقة هو عام 255 أو 256 هـ وموضع واحد يذكر عام 254 هـ ، وقد ذكرنا أن الفرقة السابعة في كتاب فرق الشيعة تقول أنه ولد بعد ثمانية أشهر من موت الحسن، وذهب أبو الحسن الخصيبي (باب النصيرية) أنها عام 257 هــ بينما ذهب آخرون إلى عدم إمكان تحديد سنة ميلاده والتي لا يذكر الأشعري (324 هـ) مؤلف "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" شيئا عنها، كما أن الكتب في زمن الغيبة الصغرى لا تحدد زمن إختفاء الإمام ولا مكانه، وقصة الإختفاء في السرداب لم ترد إلا في الكتب المتأخرة. وحين وشى جعفر أخو الحسن العسكري للخليفة بأن الشيعة يؤمنون بولد للإمام أخفته أمه صيقال، أنكرت أن تكون قد ولدت لكنها قالت بأنها حامل فوضعت تحت المراقبة لثلاث سنوات دون أن تلد. (1)
لم يجد الإثنا عشرية الأوائل مشكلة أن الإله الإسلامي يأمر الناس باتباع الإمام ويعجز عن حفظه من الناس، لكنهم في نفس الوقت لم يظنوا أن ذلك الإمام الذي آمنوا بوجوده لن يظهر لأحد عشر قرنا، وبالتالي لم تكن المشكلة نظريا بالحجم التي هي عليها اليوم عند من يوجب معرفة الإمام وطاعته وهو يجوّز غيابه لكل هذه الفترة.
والحاصل أنه قد آمن بعض الشيعة فيما بعد هذه الفترة بوجود هذا "الإمام المختفي" الذي لا دليل على وجوده وأن له "سفراء أربعة" موثوقون، لكن ذلك المنصب كان يدعيه كثير من النواب الآخرين (1) حيث ينقل الباحث أحمد الكاتب في كتابه أسماء أربعة وعشرين شخصا ادعوا نيابتهم عن الإمام الذي أسموه "محمد بن الحسن العسكري" (3) منهم الشريعي والنميري والعبرتائي والحلاج، مما يؤكد أن دعوى النيابة كانت مربحة فالسفراء كانوا يجمعون مبالغ مالية من الناس (1) مباشرة أو بواسطة الوكلاء أو النواب (3) بدعوى إيصالها للأئمة وبما أنه لا نيابة بدون منوب عنه فإن دعوى السفراء مشاهدة الإمام قد يكون اختلاقا له كوسيلة لتحقيق المنفعة الشخصية لا دليلا على وجوده كما يقول رجال الدين الإثنا عشرية الذين هم بدورهم اليوم يبررون بما يدعونه "النيابة العامة" أخذ الخمس من أموال الناس بخلاف المتقدمين منهم كالمفيد والمرتضى والطوسي (3)، والشيعة المتدينون اليوم يدفعون هذا الخمس دون أن يعود عليهم ضمان اجتماعي منه كما هو الحال في الدول التي تحكمها أنظمة ليبرالية اجتماعية أو ديمقراطية اشتراكية.

ومن الشخصيات التي ادعت منصب السفير الثاني حسب ما ينقله جواد علي عن الطوسي هو محمد بن نُصَير النـُّمَيري الفـَهري الذي يتبعه النصيرية أوالنميرية الذين يقدسون أيضا الأئمة الإثني عشر، ولديهم معتقدات اُخرى كالتناسخ والقول بأن الحسين لم يقتل في كربلاء بل رجل يشبهه كما حصل للمسيح.(1)

ولم يكن أمرا طبيعيا السؤال عن شخص الإمام حيث ينبه جواد علي إلى أن الكتب الشيعية تحرم مجرد ذكر إسم الإمام وأن السفراء كانوا يبررون المنع من ذلك بتعريض الإمام للملاحقة من أعوان الخليفة (1).

يقول الحسن النوبختي الذي عاش بداية الغيبة الصغرى عند كلامه عن عقيدة فرقة الإمامية مشيرا إلى الإمام: (4)
"ليس للعباد أن يبحثوا عن أمور الله ... ويطلبوا إظهاره ... ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمر بذلك، إذ هو عليه السلام مغمود خائف مستور بستر الله تعالى وليس علينا البحث عن أمره بل البحث عن ذلك وطلبه أمر محرم ولا يحل لأن في طلب ذلك وإظهار ما ستره الله عنا وكشفه وإعلان أمره والتنويه بإسمه معصية لله والعون على سفك دمه عليه السلام ودماء شيعته وانتهاك حرمته...... وفي ستر ذلك والسكون عنه حقنها وصيانتها وسلامة ديننا..."
ويظهر من ذلك أن تهرب السفراء من إثبات وجود الإمام المزعوم كان أمرا هينا في ظل هذه العقيدة التي تحرّم السؤال عنه بدعوى تعريضه للخطر.

وانتهت فترة الغيبة الصغرى عند الشيعة الإثني عشرية بموت "السفير الرابع" السمري عام 329 هـ والذي لم يعين سفيرا من بعده (1)، وكما فعل كثير من الشيعة في تأريخهم عند الوصول إلى طرق مسدودة بعد موت إمامهم اكتفى البعض باثني عشر إماما وادعوا غيبة الأخير ووجدوا ضالتهم في تراث الأديان السابقة وتوظيف "النص السني" عند البخاري ومسلم الذي يتحدث عن اثني عشر إماما واختلاق نصوص مماثلة.

وهكذا نشأ مذهب الإثني عشرية وأسمَوا الفترة بين موت الحسن العسكري وموت آخر "السفراء" بـ"الغيبة الصغرى" وما بعد موت السمري الغيبة الكبرى(3)، ووضع رجال الدين الشيعة الأخبار التي تقول بمشاهدة ذلك الإمام وأن المعجزة والكرامة كانت تجري على أيدي السفراء، علما أن النوبختي الشيعي الإمامي (ت 300-310) لا يذكر في كتاب "فرق الشيعة" شيئا عن السفراء، وأنه لا دليل على أن الكتب التي تحدثت عن المهدي قبل الغيبة الصغرى تعني الإمام الثاني عشر تحديدا إذ إن فكرة المهدي موجودة قبل ذلك وقد تحدثت الفرق الشيعية المختلفة عن شخصيات اُخرى اعتبرتها المهدي (1) والأحاديث التي تذكره عامة غير محددة بشخص معين(3)، ولا زال الشيعة الاثني عشرية يعتقدون أن إمامهم موجود لكنه غائب، وما زال بعضهم يردد حتى يومنا هذا أن من أسباب غيابه هو الخوف عليه من العباسيين!.
أما الأعجب من ذلك عند رجال الدين الشيعة الإثني عشرية هو أنهم ينسون أو بالأحرى يتناسون في معرض تبريرهم لغياب الإمام ما يعتبرونه أدلة على وجوب وجود إمام معصوم فالله حسب زعمهم لا يترك الناس هملا دون إمام معصوم يبين لهم أحكام الشريعة ووجود الإمام المعصوم عندهم لطف من الله واللطف واجب على الله (يعنون "الوجوب من حيث الحكمة" كما عند المعتزلة).

وفي جواب على استفسار بهذا الخصوص مرسل إلى "مركز الأبحاث العقائدية" يضع المجيب المسؤولية في الغيبة على عاتق الناس المساكين الذين ما زالوا ينتظرون قدوم الإمام المزعوم كل هذه الفترة فيقول: (6)
"انّه لمّا لم تكن العلّة في الغيبة على عاتقه عليه السلام فالمسؤوليّة في هذا المجال تبقى مع الناس ...... لو كانت المصالح تقتضي ـ ومنها تلقّي الوسط العام من المجتمع قبول الإمام "عليه السلام" لما استمرّت الغيبة طوال هذه الفترة المديدة ، وهذا معنى كلام بعض العلماء "رحمهم الله" "وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر وعدمه منّا""

أقول: حتى لو سلمنا جدلا بعدم وجود قبول عام من المجتمع فإن ذلك لا يرد دعوى عدم وجود إمام معصوم بل يعطي سببا آخر يقوّي تلك الدعوى فالمسلمون ليسوا فقط مستغنين عن إمام معصوم بل هم لا يستحقونه أو لا يريدونه أصلا! فهو قد أثبت الإعتراض على مذهبه من حيث أراد نفيه!

ثم يتذرع لغياب الإمام بأن هذه الأدلة التي يطرحونها عند محاولة الاستدلال على ضرورة وجود إمام معصوم "تأخذ على عاتقها اثبات وجود الامام في الكون"(6) وكأن الناس الذين يريد متكلموا الإمامية الإستدلال على وجوب تدليلهم على مصالحهم وتعريفهم بالأحكام الشرعية يسكنون في مجموعة شمسية اُخرى في مجرتنا أو ربما في إحدى المجرات السحيقة!
ثم يهرب المجيب من "الهداية التشريعية" التي "تتعلق بالأمور التشريعية من الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة" وهي طبعا الوحيدة التي يمكن التحقق منها والذي يظهر جليا عدمه بعدم وجود إمام، وينتقل منها إلى الوظيفة الثانية للإمام عنده وهي "الهداية التكوينية" والتي هي "إراءة الطريق وسوق الكائنات إلى ما ينبغي لها من الكمال كل بحسبه"، فالعالـَم من دون الإمام برأي بعضهم "يضطرب ويختل توازنه" مستدلا بما ورد في حديث أن "الأرض من دون الإمام تسيخ بأهلها"(7)
وطبعا نحن كلادينيين واثقون بأنه لا الله هو المسؤول عن توازن الكون ولا بعض الأئمة بل نعلم أن الجاذبية تعمل حسب الاصول وفق قانون الجذب العام الذي اكتشفه نيوتن دون الحاجة إلى أي من المذكورين أعلاه، كما إنه من الواضح أن فرضية الهداية التكوينية مبنية على النقل والإيمان الصرف فكيف يستدل على وجوب وجود إمام غائب بفرضية واضحة البطلان.
وإذا كان من الممكن للإمامية الذين عاشوا بعد الغيبة بفترة قصيرة أن ينتظروا بدون إمام دون أن تنتهي صلاحية أدلتهم على وجوب وجوده فإن طول هذه الفترة لقرون طويلة تتجاوز المدة بين نبي الاسلام وعيسى (أو يسوع) لهو أكبر دليل على بطلان دعواهم.
ومن الغريب أن يجوّز بعض الشيعة اختفاء إمامهم بناءً على اختفاء عيسى عند المسيحيين فالمسيحية لا تؤمن بوجوب وجود من يدل الناس على مصالحهم ومنافعهم ويبين لهم الأحكام الشرعية كما تقول الإمامية.
أما بالنسبة لاختراع "النيابة العامة" و"ولاية الفقيه" فهو ليس إلا التفافا على فكرة ضرورة وجود إمام معصوم(3)، فإن جاز حسب زعم بعض الشيعة المتأخرين نيابة الفقهاء لقرون طويلة عن الإمام وهم غير معصومين دل ذلك على بطلان ضرورة وجود إمام معصوم في كل زمان وأن تركهم دونه جائز الوقوع وبالتالي جائز على الإله الذي يؤمنون به.
وعمليا مرة اُخرى نرى الشيعة الإثني عشرية قد واجهت نفس المشكلة التي واجهها من لا يؤمن بالإمامة فسلكوا بعد عصر الغيبة سلوكا مشابها لسلوك أهل السنة قبلهم في القرن الثاني من حيث الحاجة إلى الإجتهاد بسبب عجز النصوص الدينية عن الإيفاء بالمستجدات، فظهر "الاصوليون" من الشيعة الإمامية الذين تأثروا بعقائد المعتزلة بعد أن طال الزمان واختلفت الروايات الموجودة في كتب الحديث عند الشيعة عن أئمتهم بين الجبر والإختيار مثلا، فكان أصحاب جعفر بن محمد يلعن بعضهم بعضا فمنهم من يرى الجبر ومنهم من يرى الإختيار، ولم تكن هذه هي المسألة الفقهية أو الكلامية الوحيدة التي اختلفوا حولها بل كان "الإنقسام سمة علم التوحيد الشيعي" قبل الغيبة حسب تعبير جواد علي الذي يرى أنه لم تكن هنالك سوى الإيمان بالإمامة عقيدة موحدة عند الإمامية قبل الغيبة الصغرى كما لم تكن هنالك عقيدة موحدة في علم التوحيد بعد موت النبي(1)، ويُلحَظ الشبه مع عقائد المعتزلة في اصول الدين كما صاغها الشيخ المفيد (413هـ) بنقاطها الخمسة في اشتراكها مع المعتزلة في الأصلين الأولين (التوحيد والعدل). (8)
ومن الأمثلة عن ما يروى من اختلاف رأي أصحاب جعفر بن محمد (الملقب بالصادق) في العقائد عن الذي ساد عند الإمامية فيما بعد هو أن زرارة بن أعين قد اتهم بالتشبيه وبأنه كان يرى أن الله جسم صلب، وكذلك كان هشام بن سالم الجواليقي يقول بالتشبيه. وقد روي أن هشام بن الحكم كان مشبِّها أيضا وممن روى ذلك من الشيعة المتقدمين الحسن بن موسى النوبختي (1).
بدأت فرقة الاصوليين بعد الغيبة الصغرى بمعالجة مشكلة عجز النصوص الدينية عن تلبية المستجدات باختراعات مشابهة إلى حد ما لما وجد قبل ذلك عند الاصوليين من أهل السنة كوسيلة لحل المشكلة ذاتها حيث استخدم الحسين بن عقيل العاملي وابن الجنيد مناهج المتكلمين ومصطلحات علم الكلام، ورغم الرفض الذي لاقاه عمل ابن الجنيد بالقياس فقد لقي مذهب الاصوليين الذي أسس للإجتهاد عند الإمامية دعما من المفيد والمرتضى (1) وبدأ هذا المذهب يسود، ثم ظهر الإجماع عند الإثني عشرية على يدي تلميذي المفيد (المرتضى (436هـ) والطوسي (460هـ)) وهو ما يكون دليلا على الحكم الشرعي، بمعنى أنه كاشف عن قول المعصوم(5) إلا أن الإماميين قد يختلفون أحيانا في ما يمكن أن يكون كاشفا عن قول المعصوم فمثلا يمنع الاصوليون من الإمامية تقليد المرجع الميت ابتداءً معتمدين على إجماعٍ يعتبره السيد ياسر إبراهيم غير صالح لأن يكون كاشفا عن قول المعصوم(9)، وتطور مفهوم "العقل" في اصول الفقه بعد المفيد حتى نص عليه محمد بن أحمد بن إدريس (598هـ) كدليل شرعي والتي أصبحت بذلك أربعة هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل (10) وعرّف دليل العقل بعد ذلك المحقق الحلي (676 هـ) بأنه لحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب، وما ينفرد العقل بالدلالة عليه ويحصره –حسب المظفر- في وجوه الحسن والقبح (5). لكن الشيخ المظفر احتار في ما أراده المتقدمون من الإمامية الاصولية بدليل العقل فابن إدريس لم يشرحه وبعض الذين أتوا بعده يضيفون إليه أمورا كالبراءة الأصلية والاستصحاب أو يطرحون منه، أما المظفر نفسه فيقسم دليل العقل إلى حكم العقل بالحسن والقبح وحكم العقل بالملازمة بين حكم الشرع وحكم آخر، ويعرّفه بأنه "كل حكم عقلي يتوصل به إلى الحكم الشرعي" (5)، وحسب الكاتب يحيى محمد السوداني فإن الإخباريين قد نجحوا في النهاية في جعل الإمامية تتخلى عن فكرة أن العقل كاشف عن الحكم الشرعي(11).
ويرى جواد علي أن القياس هو جزء من دليل العقل أو هو نفسه تحت مسمى آخر ورغم ذلك يرفض الإثني عشرية اللفظ الأول ويقبلون اللفظ الثاني (1) فهل هذا صحيح؟
في رد على مثل هذا السؤال حول الفرق بين القياس ودليل العقل يرد أحد رجال الدين الإثني عشرية بالقول أن "القياس قسمان، منطقي صحيح وشرعي ظني لا يجوز كما عند أهل السنة باستثناء منصوص العلة".
http://www.aqaed.com/faq/2007
وأقول إن القياس المنطقي إما أن تدخل في مقدمته علة منصوصٍ عليها شرعا وهذا قليل جدا لا يكفي للوقائع المستجدة، أو تكون غير منصوص عليها فيكون حكما بالعقل ابتداءً أي استقلال العقل بالحكم وجعله حجة على الحكم الشرعي وهي تهمة الإخباريين (الذين يرفضون دليل العقل) والتي ينأى الاصوليون المتأخرون بأنفسهم عنها كما نقلنا عن السوداني(11) وكما هو عند الشيخ المظفر الذي يرى أنه لا يمكن أن يستقل العقل بإدراك الأحكام الشرعية ابتداء بل هو حجة يتوصل به إلى الحكم الشرعي(5)، وموقفهم هذا ليس غريبا لأن الحكم بالعقل ابتداءً هو حكم لاديني يوضح عدم الحاجة إلى الشرع والدين أصلا، أو بتعبير بعض الإخباريين من الإمامية "بطلان إرسال الرسل وإنزال الكتب"(11) ونحن كلادينيين نقول أن ذلك باطل بالفعل، أما الاصولية من الإمامية اليوم فكيف يزعم بعضهم الحكم فيما يستجد من الامور باستعمال دليل العقل دون الحكم بالعقل ابتداءً مع زعمهم التوصل إلى الحكم الشرعي دون استعمال القياس، وليس هنالك سواهما؟!
يقول المظفر " إننا نقصد من الدليل العقلي حكم العقل النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعا أو عقلا وبين حكم شرعي آخر"(5)، وأقول هذا لا يكون إلا بإثبات حكم الأصل للفرع لاشتراكهما في العلة والذي هو القياس عند أهل السنة، وبالفعل لم يستطع الشيخ المظفر أن ينتهي من شرحه لدليل العقل إلا باستخدام كلمة القياس بقوله "فإن هذه الملازمات وأمثالها أمور حقيقية واقعية يدركها العقل النظري بالبداهة أو بالكسب، لكونها من الأوليات والفطريات التي قياساتها معها....".
يتضح من ذلك أن قول د. جواد علي أن القياس عند أهل السنة هو جزء من دليل العقل عند الإثني عشرية صحيح وأنه مجرد تلاعب بالألفاظ هروبا من الاعتراف بالعمل بالقياس والرأي المذمومين في كتب الحديث عند الشيعة.
وتقول الفرقة الاصولية من الإمامية بإباحة ما لم يرد فيه نص بناء على البراءة الأصلية والاستصحاب، وترفض ذلك الإخبارية وتطالب بالاحتياط والتوقف في الأحكام الشرعية وبالإحتياط أيضا أو البراءة في غير الأحكام الشرعية (11)، وكلا الرأيين يبينان عجز النص الديني عن تقديم قوانين صالحة لدولة معاصرة باحتياجاتها المستجدة الكثيرة والحاجة إلى قانون مدني علماني.

أما عن الحديث فمن أهم كتبه عند الشيعة الامامية الإثني عشرية الكتب الأربعة وهي الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني و"من لا يحضره الفقيه" لأبي جعفر محمد بن بابويه القمي و"تهذيب الأحكام" و"الإستبصار فيما اختلف من الأخبار" لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي(10) وتنقل أغلبها عن أئمتهم لا سيما جعفر الصادق ومحمد الباقر وبعضها عن نبي الاسلام (1)، حيث تعتقد الإمامية أن أئمتهم مُلهَمون من الله ومنصوبون من عنده على لسان النبي لتبليغ الأحكام وقولهم سنة لا حكاية عنها(5) لذا يجب اتباع أقوالهم كما يجب اتباع أقوال النبي، وكتب الحديث الأربعة هذه لا تعتبر صحيحة بالكامل إلا عند فرقة "الإخباريين" (10) أو المتأخرين منهم باصطلاح المظفر(5).

كذلك تم لاحقا تأليف (الجوامع المتأخرة) والتي تضمنت تعليقات مؤلفيها على الكتب الأربعة، وهي: كتاب (الوافي) للفيض الكاشاني، وكتاب (وسائل الشيعة) للحر العاملي، وكتاب (بحار الأنوار) للمجلسي، وكتاب (مستدرك الوسائل ومستنبط الدلائل) لميرزا النوري.(10)
وكانت الكتب الأربعة وعلى رأسها الكافي بنظر المتقدمين من الفقهاء والمحدثين الامامية من أوثق المصادر في الحديث عند الإمامية إلى أواخر القرن السابع الهجري زمن العلامة الحلي (ت 726 هـ) واستاذه أحمد بن موسى بن جعفر (ابن طاوس) وتقسيمهم للمرويات عن نبي الاسلام والأئمة إلى الأصناف الأربعة (الصحيح ، والحسن ، والموثق ، والضعيف) وانتقدتهم بسبب ذلك فرقة الإخباريين حيث يرفض الإخباريون هذا التقسيم ويقطعون بصحة جميع ما رواه رواه المحمدون الثلاثة مؤلفوا الكتب الأربعة السابق ذكرها في المقال(1)(12)، كما يرفضون كافة الإختراعات التي أتى بها الاصوليون كالعقل والإجماع، وهم يمثلون اليوم الأقلية بين الإمامية فطريقة الاصوليين هي التي سادت تأريخ مذهب الإمامية حتى يومنا هذا، ولم تظهر فرقة "الإخباريين" بقوة سوى حوالي قرنين من الزمان ابتداءا من أوائل القرن الحادي عشر الهجري على يد محمد أمين الاسترابادي (ت 1033 هـ) الذي ثار ضد عمل الاصوليين بالاجتهاد من خلال تطبيق أصول الفقه المستمدة من العقل (13).
وبعد تقسيم الحديث أصبح الصحيح حجة عند القائلين بحجية خبر الواحد كما اشتهر أن الموثق والحسن حجة أيضا (14)، وقام بعض الاصوليين من الامامية بدراسة الحديث والحكم بضعف أغلب ما في الكافي مثل الطريحي (ت 1085هـ) الذي حكم بالضعف على 9485 حديثا من مجموعها البالغ 16199 حديثا (12)(15)، لكن وصف الحديث بالضعف عند الإمامية لا يقتضي عدم اعتبارها مطلقا وعدم جواز الاعتماد عليها، بل يمكن ذلك في حالة وجود قرائن تؤيد صحتها عندهم كوجودها في احد الأصول الأربعمائة، أو في بعض الكتب المعتبرة عندهم، أو موافقتها للكتاب والسنة ، أو لعمل فقهاء الإمامية بها حيث إنه قد اشتهر عند المتأخرين أن ما اشتهر العمل به والإعتماد عليه من الروايات الضعيفة، تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة (12)(14)، لكن المتقدمين من الإمامية كان لهم رأيا آخر حيث رأى كثير منهم عدم حجية خبر الآحاد مطلقا كالمرتضى وابن إدريس (1) وابن البراج ، والطبرسي ، وابن زهرة (16) وادعوا في ذلك الإجماع، لكن لم يُعرَف حسب الشيخ محمد رضا المظفر من رأى ذلك بعد ابن إدريس، بل قد صرحت جماعة ثانية بالإجماع على قبول خبر الواحد إذا كان ثقة مأمونا في نقله منهم الطوسي وابن طاوس والعلامة الحلي والمجلسي، ويعترف الشيخ المظفر بالحيرة العظيمة التي واجهت الباحثين بسبب هذا التناقض في نقل الإجماع بين المرتضى وتلميذه الطوسي، لكنه ينتهي إلى الإعتراف بإجماع الطوسي (5)، ويبين لنا سببَ ادعاء المتأخرين من فقهاء الإمامية الإجماعَ على حجية خبر الواحد الشيخُ الغريفي حيث يقول أنه لولا ذلك الإجماع لانسد باب العلم "لندرة الخبر المتواتر لدينا ، وعدم حصول القطع بصدور جميع اخبارنا عن المعصوم (ع) وعدم وفاء مصادر التشريع الاخرى ببيان جميع الاحكام"(14)، بل قد اعترف الطوسي أن أكثر الأخبار تفتقد إلى قرينة تدل على صحتها مما جعل الشيخ عباس الموسى لا يستغرب أن جذور "دليل الانسداد" عند الإمامية ترجع إلى زمان الطوسي(17)، وبالتالي تعمل الشيعة اليوم كما هو حال أكثر الطوائف الاسلامية بأخبار الآحاد والظن مع محاولة الترجيح بين الأحاديث المتناقضة حتى أن المجلسي يعتمد أساسا على "الأدلة العقلية والآيات والأخبار السالفة" في دعوته لتأويل أو رد الأحاديث التي "توهِم" بالغلو في النبي والأئمة(18).
وقد ذهب بعض رجال الدين الإثني عشرية إلى التفريق بين الفروع والاصول بتخصيص النصوص القرآنية التي تنهى عن العمل بالظن بالعقائد، والسماح بذلك في الأحكام الفرعية، ومن الذين قالوا بذلك التفريق السيد الطبطبائي والقمي والميرزا النائيني والآشتياني والبروجردي والمحقق العراقي والشيخ حسن صاحب المعالم (17) وهو ما نراه عند المعتزلة ثم الأشاعرة، حيث يعمل جمهور فقهاء المسلمين من كل المذاهب بالظن في مسائل الأحكام الشرعية التي تتعلق بحياة الناس مما يبين استهانة المذاهب الاسلامية التقليدية بالنفس البشرية التي يمكن أن تـُزهَق حسب الشريعة الإسلامية بحكم فقهي مبني على خبر لم يثبت قطعا بالتواتر.
وهكذا يظهر أن الحاصل عند الشيعة الإثني عشرية هو أن علم الكلام في العقائد والاجتهاد في الفروع المبني على اصول الفقه المخترعة بأحكامها الظنية وتقسيم الحديث والحكم عليه تصحيحا وتضعيفا والأخذ بخبر الواحد قد حل عمليا عندهم محل الإمام الغائب مما يخالف ما يزعمونه من أدلة على ضرورة وجود إمام.

المصادر
:
(1) جواد علي، المهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية، ترجمة د. أبو العيد دودو، منشورات الجمل 2007

(2) عباس الموسى، الإمامة أصل من الدين أم المذهب؟، شبكة والفجر الثقافية
http://www.walfajr.net/?act=artc&id=8698
(3) موقع أحمد الكاتب

http://www.alkatib.co.uk
(4) الحسن بن موسى النوبختي وسعد بن عبد الله القمي، فرق الشيعة، تحقيق وتقديم وتعليق د. عبد المنعم الحفني، دار الرشاد 1992

(5) محمد رضا المظفر، أصول الفقه (ج2)، موقع الحوزة العلمية الزينبية

http://alhawzaonline.com/almaktaba-almakroaa/book/207-osul-feqh/207-%20osul%20al-sheaa/0005-osul-muzaffar/02/index.htm
(6) غيبة الإمام المهدي (عج) لا تنفي مصلحة وجوب وجوده، شبكة أنصار الصحابة المنتجبين

http://www.ansarweb.net/artman2/publish/166/article_1362.php
(7) الهداية التكوينية والتشريعية للإمام، مركز الأبحاث العقائدية

http://www.aqaed.com/faq/4359
(8) د. منى أحمد أبو زيد، الفقه الشيعي.. "المفيد" نموذجا، إسلام أونلاين

http://www.islamonline.net/arabic/history/1422/11/article32.shtml
(9) ياسر إبراهيم، تقليد الميت ابتداءً جائز، البلد

http://www.albaladonline.com/html/story.php?sid=113713

(10) كريم المحروس، مراحل نشوء وتطور التعليم الديني: تطور المنهج التعليمي، شبكة النبأ المعلوماتية

http://www.annabaa.org/nbanews/63/53.htm
(11) يحيى محمد، موقف الإخبارية من العقل الاصولي، فهم الدين

http://fahmaldin.com/index.php?id=682
(12) هاشم معروف الحسيني ، دراسات في الحديث والمحدثين، ص 40-48، 130-139، شبكة الشيعة العالمية

http://www.shiaweb.org/books/hadith/pa5.html
(13) عبد الهادي الفضلي، دروس في أصول الفقه الإمامية، ص 74، موقع الحوزة العلمية الزينبية

(14) محي الدين الموسوي الغريفي ، قواعد الحديث، شبكة رافد للتنمية الثقافية

http://www.rafed.net/books/olom-hadith/qawaed-alhadith/index.html
(15) http://www.14masom.com/hkaek-mn-tareek/16.htm

(16) نظريّة السنّة أو خبر الواحد في مدرسة الاُصول الشيعيّة القديمة، الشيخ حيدر حبّ الله

http://www.hawzah.net/Per/Magazine/FA/034/FA03412.asp
(17) عباس الموسى، الخبر المحفوف بالقرينة في العقائد، شبكة والفجر الثقافية

http://www.walfajr.net/?act=artc&id=8301
(18) أحمد القبانجي، تهذيب أحاديث الشيعة، منشورات الجمل،2009
 - الأستاذ أثير العاني

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

موريس بوكاي Maurice Bucaille - التوراة والانجيل والقرآن والعلم Book Review

stupid book
مقدمة صغيرة : يكاد لا يتحدث أحدنا - نحن اللادينيين - حتى يمتشق أبطال الإسلام - سواء كانوا يعرفون شيئاً أم لا , كانوا متوسطي معرفة أوعلماء - رماحهم ويمطروننا بتهم كعدم التأكد من سند الحديث أو المنطق العلمي - الذي يفهمه المتدين طبعاً دون غيره - مع أننا وبلا فخر ممن يجيدون البحث والدراسة فقد أفنيت شخصياً سنين جوفاء أدرس في ترهاتهم ... يريدون أن نقضي أسابيع في التحقيق في حديث حققوا فيه مليون مرة مع ذلك نحن نفعل.. و لكن ما علاقة هذا بالساذج الذي أسلم وحسن إسلامه - موريس بوكاي الفرنسي -؟ القصة أننا نكاد لا نخلص ممن يدللون على إيمان بعض العلماء بالله - يفترون على أغلب العلماء طبعاً - أو يشيرون لمن أسلم وليس أن اكتفى بالاعتراف بخرافة وجود الله والتنين !!!
- المسمى بموريس بوكاي كان يقف مناطقة الإسلام كمحمد سعيد رمضان البوطي - ذيل
بيت الأسد والعروبة مع احترامي للعروبة طبعاً ولكن معروف أن الرجل كردي يتنكر
لأصله - المهم أن البوط - الشيخ العلامة المنطقي علمي المنهج والمضحك الباكي - كان يغرق في دموعه وهو يتحدث عن إسلام موريس بوكاي وتحوله إلى جندي يدافع عن الإسلام - ضد باقي الديانات وكأنه هناك فرق بين الأديان أصلاً - وهذا المقال هو دراسة صغيرة ولعينة من إبداع الدكتور موريس بوكاي وانظروا إلى التساهل الغريب المريب تجاه ما يقول - هو تواطؤ تافه مرضي فيه من العقد النفسية لدى علماء المسلمين ما يثير القرف ... أعود لأنبه السادة المهتمين بأن يقرؤوا دون تحيز مسبق لأي دين وتصوروا لو أنني سفيه يقول ما يقول السيد موريس بوكاي لوجدتُ الويلات من تهجم الأميين من المسلمين قبل تهجم العلماء أو متوسطي المعرفة الفقهية .. لوجدوا ألف منفذٍ ليشوهوا فكرة حقيقية و لكن بالنسبة لموقفهم من الدكتوربوكاي .. لا .. فهو مدللهم ومن الصليبيين الذين يهاجمون قومهم إذاًهو كنز إسلامي ومعجزة إلهية.
إليكم نص المقال المأخوذ أصلاً من موقع الذاكرة وقد ارتأيت هذه المقدمة مع التدقيق الإملائي و النحوي وبعض التعليقات ..
- قراءة في كتاب موريس بوكاي-التوراة والانجيل والقرآن والعلم - الطبعة الثالثة -
أود أولاً أن أشكر من تفضل وأعطانا رابط على هذا الكتاب وفيما يلي قراءة في هذا الكتاب أرجو أن يتسع صدر إخواني لها وأن يساهموا في عملية الدراسة لهذا الكتاب الأعجوبة .
إن السيد بوكاي فيما يبدو لا يؤمن بوجود أية توراة أو إنجيل موحى به ... وهذا في اعتقادي ينافي أبجديات الإسلام حيث أن كافة الطوائف الإسلامية والمفسرين يؤمنون بوجود كتب أصلية تمّ تزويرها أو حتى إخفاؤها عن الناس . لاحظ ص 17 وص 24. وفي كل الأحوال فإني أؤيد بحرارة كل ماجاء في كلامه عن هذه الكتب . وهذه الكتب لاتصلح لأن تكون مصدراً للدراسات التاريخية - هذا الرأي يخالف رأي الأنتروبيولوجيين وعلماء الإجتماع وو على الأقل هي تطلعنا على المجتمع الذي تم فيه التحريف والتلاعب - قصة الخلق ص 49:
تذكر التوراة أن الخلق تم في ستة أيام وأن الخالق استراح في اليوم السابع.
ويذكر القرآن أن الخلق تم في ستة أيام وأن الله استوى على العرش في اليوم السابع.
- بوكاي نسف الكتب الأخرى مع أن الروايتان متطابقتان!!!
ويفسر بوكاي الأيام الوارد ذكرها في القرآن بالدورات الزمنية ولا أدري لماذا لم تفسر أيام التوراة الستة بالدورات الزمنية.
ويقول المترجم أن عدد الأيام ليس بالمعنى الذي نعطيه لها في حاضرنا الزماني بل هو للتشبيه.....؟؟؟؟
- السؤال المشروع هنا لماذا يرد إذن ذكر أي عدد؟
ألم يكن من الأفضل ترك الموضوع بدون تحديد؟
ويبدو لي أن الأستاذ بوكاي يؤمن إلى درجة ما بنظرية التطور لاحظ
ص 55 حيث يؤكد أن وجود الإنسان قديم جداً وأن هناك أشكالاً أقدم للبشر ويتسائل هل هم بشر حقيقيون . إذن فهو لايؤمن بصيغة الخلق الكامل والتام من أب واحد وأم واحدة فهل يوافق إخواني من المؤمنين على ذلك ؟
- يعلن في
ص 153 أنه لايعتقد بصحة الأحاديث المنسوبة إلى محمد ويقول ما نصه :
( إن مجموعات الأحاديث بالنسبة إلى محمد كالأناجيل بالنسبة إلى عيسى. روايات عن أفعال وأقوال النبي ليس كُتّابها شهود عيان.على الأقل مجموعات الأحاديث المشهورة)...إلى أن يقول ( إن الكثير من الأحاديث مشكوك في أصالتها بل ومطعون فيها...) انتهى.
فهل هذا هو رأي الأغلبية من علماء الإسلام؟
لقد كفّرَنَا إخوتنا من المؤمنين لأننا شككنا بصحة غالبية الأحاديث وأصر الكثير منهم أن الصحاح هي كتب مقدسة فما بالهم يقبلون ذلك من المسلم العتيد بوكاي؟ أم هي قبول لكل ما يقوله الأجنبي ورفض تام لما نقوله نحن اللادينيين العرب - والمتحدثين بالعربية -؟
ويقول في القرآن
ص 162 : (وإذا غضضنا النظر عن بعض الأخطاء العارضة في النسخ...) انتهى.
أخطاء في النسخ في كتاب حفظه الله !! أليس هذا بعجيب ؟
فهل يسمح إخواننا من المتدينين إعلامنا عن الآيات التي حصل فيها خطأ في النسخ ومن قام بتعديلها؟ لقد ذكرت أنا بعض هذه الأخطاء في مداخلة سابقة ولكني هوجمت بشدة واعتبرني بعض الإخوان من الجهلة في اللغة العربية، ولكن مايقوله الحاج بوكاي هو الحق كله . أما المترجم فيذكر بهامشه : (هذا لا يتطلب أهمية لأن القرينة تثبت المعنى في أكثر الأحوال ) انتهى ...والسؤال كيف ؟ وأين ؟
- خلق السماوات والارض
ص 165.
وهنا يتجلى إعجاز في الكلمات والمعاني لاحظ:
( إن ثمة مجانسات واضحة بين نصوص كل منهما - يقصد التوراة والقرآن- وبخاصة الجمل المترادفة في موضوع الخلق التي تبدو واحدة عند النظرة الأولى. فالأيام الستة في التوراة تقابلها الأيام الستة أيضا في القرآن.غير أن المسألة في الواقع تبقى على جانب كبير من التشابك....) حتى يقول : (ولئن رجعنا إلى نصوص غالب ترجمات القرآن فإننا نقرأ فيها استمرار الخلق بالنسبة إلى الوحي الإسلامي قد امتد على مسافة ستة أيام ..)
وهنا يأتي الإعجاز فالفرنسي - موريس بوكاي - يعلم المفسرين والمترجمين كيف يفسرون ويترجمون.. ويقول : (إننا لانعرف كيف نعتب على المترجمين عدم إعطاؤهم الكلمة العربية الأكثر شيوعاً ...) إلى أن يقول (وقليلة تلك هي ترجمات القرآن وشروحه التي تفيد بأن كلمة أيام ينبغي أن تفهم حقيقة بمعنى الدورات الزمنية. وقد سبق وأثبتنا أن النصوص القرآنية تقسم هذه الدورات إلي أيام وذلك برغبة تناول ماكان الناس كل الناس يعتقدونه في مطلع الدعوة الإسلامية من اليهود والمسيحيين دونما مصادمة لاعتقاد واسع الانتشار ...) انتهى
إن هذا - ولعمري - أغرب ماقرأته من الإعجاز أو العجز العلمي فالله يجامل ويعطي المعلومات الخاطئة ليتجنب المصادمة ؟ أليس ذلك بغريب؟ فإذا كانت التوراة والإنجيل عبارة عن حكايات شعبية مليئة بالأخطاء التاريخية والمنهجية أفليس من الواجب تصحيح المعلومات ؟وإثبات عبقرية القرآن وإفحام المتشككين؟
ولماذا يعتبر الأستاذ أن كلمة يوم في العربية تعني فترة زمنية غير محددة فهل سمع أحد من إخواني بذلك؟
أعتقد أن مفهوم اليوم واضح وثابت ولايمكن التلاعب به فاليوم هو الفترة الزمنية التي يقتضيها دوران الأرض حول محورها . حتى وجود الشمس أو القمر أو عدم وجودهما لا يؤثر البتة على طول اليوم ومعناه.
أما مسأله ستة دورات زمنية فلنرَ ما يقوله الأستاذ حول هذا الموضوع : (والعلم الحديث لم يسمح للناس ،بالتأكيد ، بتثبيت المراحل الستة المتنوعة للتكوين ).
- لطيف جداً وعلمي جداً إذن الخلق ستة مراحل زمنية ولكن مامعناه وكيف نثبت ذلك ؟؟ الجواب؟ لانستطيع....
- يقول في
ص 168:
(هذه الآيات من سورة41 تبرز مشاهد سنعود لها فيما بعد، الحالة الغازية البدائية لمادة السماء ، والتحديد الرمزي لعدد السماوات بسبع )
- إذن فإن السماوات ليست سبعة طبقات ولكن العدد رمزي - عظيم جداً وسريالي حتى النخاع .
وفي ص 170 وبعد أن يذكر الآيات 27- 33 من السورة 79:
(لا لزوم إذن للبحث عن أي تفسير خاص لما هو مذكور في القرآن في موضوع الخلق من ورود ذكر خلق الأرض قبل السماوات أو العكس ، لأن موضع الكلمات في النص هنا لايثبت النظام الذي تم فيه الخلق إذا لم تتم تحقيقات قي ذلك .. ) انتهى.
- منتهى العلمية والإعجاز .. لاوجود لتتابع ولسنا نستطيع إثبات ذلك من عدمه - إذاً يا حاج بوكاي - أين العلم في القرآن؟
- يبين الأستاذ أن الرقم سبعة يعني الكثرة العددية كما هو وارد عند الرومان والإغريق .عجيب أن يستخدم الله رقم سبعة المستخدم عند اليونان لإفهام عرب البادية الجهلة والمعزولين عن العالم - كما يحلو للكثير من إخواننا المؤمنين وصف عرب الجزيرة به -
وفي رأيي أن هذا التفسير يعني وبكل وضوح أن العرب كانوا على تماس مباشر مع الإغريق وإلا لما تم استخدام هذا التشبيه في القرآن العربي .
- في
ص 168 يقول الأستاذ:
(إن العالم في الأزمان الغابرة جداً التي له التحدث عنها ، تكون من طبقة غازية مركبة أساساً من الهيدروجين وجزء من الهليوم ...) انتهى.
هنا يعني ما يدعى بنظرية السديم الأول التي كانت سائدة حينذاك لتفسير نشوء الكون حيث كان اعتقاد العلماء بأن الكون نشأ من سديم أول من الغازات وهذا يخالف نظرية الانفجار الكبير السائدة الآن فماهي إذن النظرية الصحيحة التي تطابق ماجاء في القرآن...أفتونا في أمرنا.
ويعبر الأستاذ عن إيمانه العميق في القرآن عندما يفسر رؤيا يوسف كالتالي
ص 192:
(ويبدو أن القرآن يعنيها عندما يطلق كلمة كواكب دون أن يحدد عددها ورؤيا يوسف ذكرتها على أنها أحد عشر ولكن يقصد قصة خيالية ) انتهى
هل هذا من الإسلام ؟ أو هذا نوع من الإسلام الجديد ؟
- في
ص 194 يعطي تفسيراً علمياً للحجارة والمصابيح فيقول :
( كل هذه الاعتبارات تبدو وكأنما هي خارج موضوع الدراسة )
ونحن نسأل بوكاي ..لماذا ؟ أليست الدراسة عن العلم في القرآن؟ وفي أدناه ما استرسل الاستاذ بقوله:
(وعلى كل فإن المعطيات العلمية الحديثة لا تبدو قادرة على أن تنزل الأشياء منازلها فتسلط الضوء على موضوع يتجاوز الفهم الإنساني ) . انتهى
- إذن لماذا النقاش ومحاولة إيجاد العلم في القرآن إذا كان الموضوع كله يتجاوز الفهم الإنساني وإذا افترضنا أن القرآن هو حجة على الإنسان فكيف يكون خارج مداركه ؟
- في
ص 201 يحاول الأستاذ أن يوهم القاريء بأن معنى الآية (والشمس تجري لمستقر لها ) هو الموعد الذي ستنطفئ فيه الشمس ومن ثم يخلط خلطته المعهودة بإدخال بعض المصطلحات العلمية لإكمال عملية المونتاج الفني فيتحدث عن أن النظام الشمسي يتوجه إلى نقطة في مجموعة نجوم هيرقيل وجوار نجم فيغا .لا أدري كيف توصل الأستاذ إلى فهم ذلك ولم يفهم ذلك عشرات المفسرين قبله ثم لماذا لاتكون هذه الآية معبرة عن حركة الشمس كما كان يراها الأقدمون أليس ذلك أسهل وأقرب إلى الواقع الذي كان به عرب البادية ؟ وما يدرينا فلعل الموضوع هو مجاملة - من الله - كما قال الأستاذ في تفسيره لآيات سابقة.
علميات ؟ أم ماذا ؟
الآية (وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشئ السحاب الثقال . ويسبح الرعد بحمده والملائكه من خيفته..)
- هذا إعجاز آخر حيث يسبح الرعد بحمده تصوروا أن الرعد الذي هو جزء من ظاهرة طبيعية وهو الصوت المتأتي من ظاهرة تفريغ الشحنات الكهربائية المسماة البرق هذا الصوت يسبح بحمد الله فكيف ذلك؟ أما الملائكة الذين هم في السماء السابعة فهم يخافون صوت الرعد - حسب الآية طبعاً - حيث أنهم فيما يبدو لا يعلمون أنها ظاهرة طبيعية شأنهم بذلك شأن بدو قريش.
أما الظل فيا عجبي من هذا الإسفاف فما علاقة الخالق بالظل، أليس الظل ظاهرة طبيعية هو الآخر وحركته لها علاقة بمصدر الضوء المسلط على الجسم أم هناك شيء آخر قصرت أذهاننا عن فهمه ؟ يجوز الشغلة كلها مجاملة لعرب قريش لانهم لايفهمون؟
-
ص213 :
لاحظ هامش المترجم :
( الراجح أن هذه الحيوانات تبعث يوم القيامة ثم تحاسب فيقتص حتى للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.....) إذ يبدو أن للحيوانات عقولاً تميز الخير من الشر هذا هو الإعجاز بعينه!! - لا تنس أن العقل هو من أسباب التكليف وليس مجرد أن تكون ذا روح -
- أما عن الإنسان والتلقيح فهو يورد جميع الآيات التي يعتقدها متطابقة مع عملية الإخصاب ويتجاوز تفسير المقصود بأصل الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب ولا أدري لماذا لم يفسرها الأستاذ كما فسرها بعض الإخوان واعتبروه عملية نزول الخصية من الظهر إلى مكانها الطبيعي ؟ - المكان حيث المنشأ الجنيني للخصية -
- في ص 238 يقول الأستاذ:
( ليس من اليسير تكوين فكرة عما في القرآن من هذا الموضوع. وذلك لتناثر المعلومات المتعلقة فيه ولا نحب أن يفهم من هذا القول أن ثمة تعقيداً عظيماً..... {{ اذن أين المشكلة؟}} تكمن في الترجمات وهكذا فإن أغلب الترجمات تذكر تكون الإنسان ابتداءاً من علقة وهو ما ليس مقبولاً أبداً من العالم المتخصص في هذا الحقل ،لأنه لم يكن للإنسان مطلقاً مثل هذه البداية .وسنرى الأسباب التي قادت بعض البارزين من علماء العربية الذين لم تكن لهم الثقافة العلمية للوقوع في مثل هذه الأخطاء) . انتهى
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أليس من المفروض أن يكون القرآن قد أنزل واضحاً لكل الناس ليكون حجة عليهم ؟
أم أننا نحتاج إلى نبي جديد يكون حاملاً لشهادة الدكتوراة في العلوم الطبيعية ليفسر لنا ماعجز علماء العربية عن فهمه؟ وما مصير المساكين من أمثالنا ؟ وهل يجب أن نتفقه جميعاً في الدين والعلوم الطبيعية لنستطيع الإيمان؟ وهل يجب أن نترك حياتنا جانباً لندرس القرآن وعلومه ؟ أهذا هو الحل الأمثل الذي يعجب الأصوليين ألا نقرأ ولاندرس أي شيء بل نجلس أربعة وعشرين ساعة في المساجد منتظرين ما سيتفوه به الخطيب الفذ الذي يحمل أسرار العلم ومفاتيحه من أجنحه الذباب وحتى إشعاعات النجاسة التي يمكن تطويرها فيما بعد لكي نسلطها على المجرمين الكفرة ونحولهم إلى هباء منثور.
- في ص 252 : يؤكد الأستاذ - حفظه الله - أن نسب عيسى هو كما ورد في القرآن ... أما ماورد في الأناجيل فهو خطأ ، ولا أدري إنْ كانت الكنيسة الكاثوليكية أو البروتسانتية قد اعترفت بذلك وأيدته ؟ وأين الإثبات التاريخي الذي يؤكد صحة سند شجرة عائلة المسيح؟ علماً أن العالم المسيحي بشرقه وغربه لايزال يجهد النفس ويبذل الغالي والنفيس للحصول على مجرد إثبات آثاري بسيط يدل على وجود المسيح . بل كيف يكون للمسيح عائلة أو نسب وهو كلمة الله وروحها أي أنه ولد بدون أب وهو معجزة لايمكن نسبه إلى عائلة ما .
- في ص 255-256 يعود الأستاذ إلى القول برمزية القرآن فيفسر قصة طوفان نوح بأنها غير ممكنة الحدوث على مستوى الكون كله ويقول ما نصه : ( فكيف يمكن أن نتصور اليوم ، بأن طوفاناً عالمياً هدم الحياة على وجه الأرض كلها باستثناء ركاب السفينة في القرن الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين قبل المسيح وفي نفس هذا العصر كانت قد ازدهرت في عدة جهات من الأرض مدنيات انتقلت آثارها إلى الأجيال اللاحقة )؟؟انتهى
ولو تجرأ أحد منا - نحن اللادينين - وسأل هذا السؤال في ندوة دينية لانقلبت الدنيا على رأسه وانفجر الغضب الإرهابي المجاهد في وجهه ولرأينا تدحرج بعض الرؤوس . ولكن عندما يعتقد موريس بوكاي بذلك ويظل مسلماً عظيماً يُضْرَبُ المثل به. فهل مثل هذه الآراء والتفسيرات مقبولة إسلامياً؟ وإذا كان الجواب بنعم فكيف يمكن اعتبار نوح الأب الثاني للبشر؟
هل هذا أيضا خطأ في الترجمة والتفسير أم ماذا؟
وإذا كان القرآن مليئاً بالقصص الرمزية والحكايات المحلية أفلا يكون بذلك مثله مثل الإنجيل والتوراة ؟
- أما قصه موسى فما يليها يستنتج الأستاذ أن هناك فرعونان فرعون الاضطهاد وفرعون الخروج ؟!!
فهل هذا يمثل الرأي النهائي للإسلام والمسلمين؟
وهل تبنى الأزهر هذا الموقف وما رأي هيئة الإعجاز العلمي العتيدة؟
وبعد ذلك تتفتق عبقرية الأستاذ عن فكرة نجاة بدن فرعون من الغرق أي أنه مات ولكن بدنه نجا ولا أدري إن كان الإخوان الضليعون باللغة العربية يوافقون على أن يطلق على البدن المنتشل لميت غرقاً بأن البدن قد نجا - هو مات ولكن بدنه نجا لم تأكله الأسماك - أليس مثل هذا التعبير غريباً على اللغة العربية ؟ وأحب أن أذكر الإخوان بأن شخصية موسى وقصة الخروج أصبحت لا تستهوي الباحثين وذلك لافتقار الحفريات الأثرية والكتابات الهيروغليفية أي إشارة لمثل هذا الشخص. وإذا طبقنا على القضية أساليب الأستاذ في التحليل العلمي فنستطيع أن نقول أن القضية هي رمزية ومحلية كقصة نوح
- من المحتمل أن القرآن أوردها ولم يركز على تفاصيلها مجاملة ً لليهود والنصارى ومن المحتمل أننا لانملك ما يكفي لإثباتها وذلك لنقص في المعلومات .
- لقد أعطانا الأستاذ بوكاي الحرية باستخدام الرمزية والمجاملة وقلة المعلومات والمعطيات كسلاح لتحليل علمي جيد ومعاصر للقرآن .إلا أننا وهذه هي المحصلة النهائية لهذا الخلط العجيب من التفسيرات والتبريرات وأسلوب ليّ - طعج وعلك - المعاني يجب أن نؤمن بأن الأستاذ موريس بوكاي هو من المسلمين الأفاضل وقد حسن إسلامه وأننا يجب أن نغمض أعيننا عن الحقيقة وأن نسلم بأن الدين هو الإسلام وأننا يجب أن نتبعه على الطريقة الموريسية !!
فليشهد الجميع بأنني مسلم ولكن على الطريقة الموريسية منذ الآن.
وأحذر إخواني بعدم التعرض لشخص الحاج موريس ومن تبعه إلى يوم الدين وإلا خسفت الأرض بهم.
الكاتب: Waked
- شكراً لمن صبر على تأمل هذه الإبداعات وحسن إسلامه على طريقة موريس .. وأشكر الكاتب Waked مع اعتذاري لمداخلاتي الجانبية و التصرف والتعديل في المقال وسأكمل البحث أكثر بخصوص ذلك شخصياً... د. بكر محمد .

Sorcery Islamic cosmology سفاهات علمية لمفكر إسلامي

Dr. Zaghloul Al Najjar

- أرجو من الإخوة المهتمين بالموضوع قراءة الآيات القرآنية بدقة والتركيز في متابعة حجة الطرفين .. أشكر الأستاذ جواد وقد نقلت المقال بلا تصرف أو تدخل مطلقاً . د. بكر محمد.
- الشعوذة الكوزمولوجية- للدكتور زغلول النجار
الكاتب: جواد البشيتي
المصدر: الحوار المتمدن
الدكتور زغلول النجار يريد، على ما يبدو، أنْ يكون "المُنْجِد" لكلِّ مؤمِن (من المسلمين) قد ينال "الشكُّ العلمي" من قوَّة إيمانه، فثمَّة كثيرٌ من النصوص الدينية ("الكونية"، أو "الكوزمولوجية" منها على وجه الخصوص) يشقُّ ويتعذَّر الآن أنْ تَجِدَ له سَنَداً قويَّاً في
"الحقائق" من العلوم، ومن عِلْم الكون على وجه الخصوص، على ما يرى الدكتور النجار في باطِن تفكيره.
هذا "المُنْجِد" يحتاج أوَّلاً إلى ما ينْجِده، فـ "المهمَّة" التي انبرى لها ليست بالسهلة، وتكاد أن تَعْدِل، في صعوبتها واستعصائها، مهمَّة "تربيع الدائرة".
أمَّا ما يُنْجِدُ هذا "المُنْجِد" فهو "التأويل"، في منطقه الذي يناقِض "منطق التفسير
(الحقيقي، الواقعي، التاريخي، الموضوعي)". إنَّ هذا "التأويل" هو في منزلة "قارب النجاة"، يَرْكبه "المُنْجِد"، أي الدكتور زغلول النجار، عندما تَسْتَنْفِد "المهمَّة" طاقته الثلاثية، أي الدينية والعلمية واللغوية.
ولكن، لماذا أُوْلي الدكتور النجار هذا الاهتمام الذي يبدو كبيراً إذا ما كان "إبداعه الفكري" يَفْتَقِر، على ما أرى وأعتقد، إلى الإبداع في معناه الحقيقي؟
السبب لا يكمن فيه، ولا في ما يُنْتِج من "فكر"، وإنَّما في ما يَمْلُك هذا "المُفَكِّر الإسلامي" من نفوذ واسع في عقول (وقلوب) الملايين من المسلمين، مع أنَّ "الشعبية"، في "عالم الفكر"، ليست بالمقياس السليم لأهمية وحيوية وقوَّة الفكرة، أو الفكر، فكم من فكرٍ عديم الوزن، إذا ما قسناه بـ "ميزان الحقيقة الموضوعية"، اكْتَسَب "وزناً شعبياً هائلاً".
ولطالما هاجمني المُعْجَبون بالدكتور النجار و"فكره" بقولٍ من قبيل "مَنْ أنتَ حتى تُقارِع هذا الراسخ في العِلْم.. في الدين، واللغة، والعلوم؟!"، فهو متضلِّع من الدين واللغة.. ومن العلوم؛ ذلك لأنَّه، أكاديمياً، "أُستاذ علوم الأرض". ومنهم من فسَّر انتقادي لفكره المتهافت على أنَّه محاولة لـ "الشُهْرة" أقوم بها.
وكم تمنَّيْتُ أن يكون لهم من الآراء ما يستحقُّ الاهتمام والنقاش، وأنْ ينبذوا عبادة الأوثان، من الرجال كانت أم من الأفكار، فليس من مكان في "عالم الفكر" لـ "البقرات المقدَّسة"!
لِنَعُدْ الآن إلى "المُنْجِد"، ولنَنْظُر بعيون مُجرَّدة من الأوهام إلى ما يرون فيه مَعْلَماً من معالم "عبقرية" الدكتور النجار.
لقد قرَّر هذا "المُبْدِع" أنْ يأتي بـ "تأويل جديد" لعقيدة "الخَلْق في ستة أيام"، لعلَّه يُوفَّق أخيراً في أن يقول مرَّة أُخرى: "ها هو العِلْم يَنْطُق أخيراً بالحقيقة التي نطق بها النص الديني منذ قرون من الزمان".
هذا "المُنْجِد"، أو "المُبْدِع"، لم يَرُقْهُ أن تُفْهَم "أيام الخَلْق الستة"، وأن تُفسَّر، على أنَّها "أيام الأسبوع (في كوكب الأرض)"، فهي ليست، على ما "قرَّر" و"أفتى"، أيام الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.
أمَّا السبب (القرآني) الذي حَمَلَه على نَبْذ هذا الفهم، أو التفسير، فقد "اكتشفه" في خُلوِّ كل آية من آيات "خَلْق الكون في ستة أيام" من العبارة القرآنية "مِمَّا تَعُدُّون".
مُكْتَشِف "الإشارات القرآنية (إلى كل الاكتشافات والحقائق العِلْمية من فيزيائية وكوزمولوجية وكيميائية.."، الدكتور النجار، الذي هناك مَنْ يرى فيه من "العبقرية" ما يَعْدِل عبقرية آينشتاين، إنْ لم يَفُقْها، اكتشف "إشارات قرآنية إلى عُمْر الكون".
وفي أمْر هذا "الاكتشاف" قال الآتي:
لقد ذكر القرآن الكريم في كثيرٍ من آياتـه أنَّ الله تعالى خلق الكون في ستـة أيام.. "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (ق ـ 38)".
أمَّا عن الأيام فالمقصود بها مراحل أو حقب زمنية لخلق الكون وليست الأيام التي نعدها نحن البشر بدليل عدم وجود عبارة "مم تعدون " في جميع الآيات التي تتحدث عن الأيام الستة للخلق كما في قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (هود ـ 7)". وقوله: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (السجدة ـ 4)".
وهنا نلاحظ أنَّ اليوم في سورة السجدة آية (4) يمثل مرحلة من مراحل الخلق، أما اليوم في الآية (5) فهو من آياتنا التي نعدها بطلوع الشمس كل يوم. والسؤال الآن هو ما هي هذه الأيام أو المراحل الستة وكيف يمكن تقسيمها كونياً؟ والعلم يقدر عمر الكون بين 10 ـ 20 مليار سنة .
الإشارة القرآنية: قال تعالى: "قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (فصلت ـ 9)".
طبقاً لهذه الآيات فإنَّ الأيام الستة للخلق قسمت كما أجمع المفسرون إلى ثلاثة أقسام متساوية كل قسم يعادل يومين من أيام الخلق بالمفهوم النسبي للزمن .
أولاً: يومان لخلق الأرض من السماء الدخانية الأولى:"قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (فصلت ـ 9)". و"أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (الأنبياء ـ 30)".
ثانياً: يومان لتسوية السماوات السبع: "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (فصلت ـ 11)". وهذا يشير إلى الحال الدخانية للسماء بعد الانفجار الكوني العظيم بيومين حيث بدأ تشكل السماوات فقضاهن سبع سماوات في يومين .
ثالثاً: يومان لتدبير الأرض جيولوجياً وتسخيرها للإنسان. قال تعالى: "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (فصلت ـ 10)"، مما يشير إلى جبال نيزكية سقطت واستقرت في البداية على قشرة الأرض فور تصلبها بدليل قوله "من فوقها"، و"بارك فيها أقواتها"، أي قدر أرزاق أهلها .
"في أربعة أيام سواء للسائلين"، أي تمام أربعة أيام كاملة متساوية بلا زيادة و لا نقصان للسائلين من البشر عن مدة خلقها وما فيها. و يرى جميع المفسرين أنَّ هذه الأيام الأربعة تشمل يومي خلق الأرض و يومي التدبير الجيولوجي لها.
ويتضح مما سبق:
1ـ تساوي الأيام زمنياً، وإلا لما أمكن جمعها وتقسيمها إلى ثلاثة مراحل متساوية.
2ـ التدبير الجيولوجي للأرض حتى وصول السائلين (الإنسان ) أستغرق يومين من أيام الخلق الستة، أي أستغرق ثلث عمر الكون. وحيث أن التدبير الجيولوجي للأرض منذ بدء تصلب القشرة الأرضية وحتى ظهور الإنسان قد استغرق زمناً قدره 4.5 مليار سنة طبقاً لدراسة عمر الأرض إذاً عمر الكون يساوي 13,5 (4,5 × 3) مليار سنة. وهذا الرقم يقارب ما توصلت إليه وكالة الفضاء الأمريكية ناسا مؤخراً و ذلك باستخدام مكوك فضائي مزود بمجسات متطورة جداً لدراسة الكون حيث قدرت عمر الكون بـ 13,7 مليار سنة.
انتهت "المقالة ـ الاكتشاف".
- وإذا أردتم قراءة نص تلك المقالة للدكتور زغلول النجار فاذهبوا إلى العنوان الآتي:

-   أوَّلاً، وقبل أن نبدأ، لا بدَّ من إظهار "السبب الخفي" الذي حَمَلَ الدكتور النجار على نَبْذ تفسير "أيام الخَلْق الستة" على أنَّها ستة أيام من الأيام الأرضية.
إذا وُلِدَ عشرة أطفال، مثلاً، في ستة أيام فإنَّ الولد الأخير، أو العاشر، ومهما كَبْر عُمْراً، يظلُّ أصغر من الولد الأوَّل بما لا يزيد أبداً عن ستة أيام، فإذا أصبح عُمْرُ الولد الأوَّل 100 يومٍ، مثلاً، فإنَّ عُمْر الولد الأخير لن يكون أبداً أكثر من 100 يومٍ، أو أقل من 94 يوماً. مهما كبر الولدان الأوَّل والأخير فإنَّ الفَرْق في العُمْر بينهما يظلُّ ثابتاً لا يتغيَّر، ويظلُّ دائماً أقل من ستة أيام؛ وهذا الفَرْق هو ما يسمَّى في الرياضيات "ثابت التغيُّر".
قياساً على ذلك، لا يُمْكِن أبداً أن يزيد الفَرْق في العُمْر بين كوكب الأرض والشمس، مثلاً، ومهما كبرا عُمْراً، عن ستة أيام، فإذا كان عُمْر الشمس الآن (والمخلوقة قبل كوكب الأرض بحسب علوم الكون) 5000 مليون سنة فإنَّ عُمْر كوكب الأرض يجب أن يكون أقل من 5000 مليون سنة بيومٍ، أو يومين، أو ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو خمسة أيام؛ لكنَّه لن يكون أبداً أقلَّ من عُمْر الشمس هذا بسبعة أيام، أو بألف يوم، أو بمليون سنة، أو ببليون سنة.
وفي مثال آخر، يجب أن يكون كوكب الأرض أكبر عُمْراً من النوع البشري بيومٍ، أو يومين، أو ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو خمسة أيام، فقط.
لقد أراد الدكتور النجار الخروج من هذه الورطة "الرياضية ـ الكوزمولوجية" فأوقع نفسه في ورطة أكبر.
والآن، لِنَبْدأ من الآية 38 من سورة "ق"، والتي جاء فيها: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ".
لو عُدْنا إلى "التفاسير القديمة"، أي إلى ما قبل "تفسير النجار"، لَمَا عَثَرْنا على أيِّ معنى من المعاني التي تَضَمَّنها "تفسير النجار"، ففي "تفسير الجلالين" على سبيل المثال وَرَدَ الآتي:
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالأرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام" أَوَّلهَا الأحَد وَآخِرهَا الْجُمُعَة، "وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب"، أي تَعَب، نَزَلَ رَدًّا عَلَى الْيَهُود فِي قَوْلهمْ: إنَّ اللَّه اسْتَرَاحَ يَوْم السَّبْت وَانْتِفَاء التَّعَب عَنْهُ لِتَنَزُّهِهِ تَعَالَى عَنْ صِفَات الْمَخْلُوقِينَ وَلِعَدَمِ الْمُمَاسَّة بَيْنه وَبَيْن غَيْره "إنَّمَا أَمْره إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون".
"الخالق" إنَّما هو الله؛ و"المخلوق" إنَّما هو "السماوات والأرض وما بينهما"؛ و"مُدَّة الخَلْق" هي "ستة أيام"، هي، في "التفاسير القديمة"، أيام الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.
أمَّا "يوم السبت" فـ "معناه القرآني" يختلف تماماً عن "معناه اليهودي (أو التوراتي)"، فالله لا يَتْعَب (لأنَّه الله) حتى يَصْدُقَ زَعْم اليهود أنَّه "استراح" في ذلك اليوم.
العبارة القرآنية "ولقد خَلَقْنا" إنَّما تعني أنَّ "الخَلْق"، الذي يعني "خَلْق السماوات والأرض وما بينهما"، فِعْلٌ إلهي انتهى وتمَّ، أي أنَّه، لغةً، "فِعْلٌ ماضٍ"، فهو ليس بـ "مضارع"، وليس بـ "مستقبل". لقد بدأ (بحسب "التفاسير القديمة") يوم الأحد، وانتهى مساء الجمعة.
وأنتَ يكفي أنْ تفهم "أيام الخَلْق الستة" في معناها هذا، أي على أنَّها من أيام الأسبوع الأرضي، حتى لا ترى من حاجةٍ إلى تضمين تلك الآية (وأشباهها) عبارة "مِمَّا تَعُدُّون"، فهل بَطُل "عَجَب" الدكتور النجار بعدما وَضُحَ "السبب"؟!
"المُنْجِد"، "المُبْدِع"، لم يَرُقْهُ هذا التفسير (القديم) فقد تناهى إلى سمعه أنَّ "ناسا" حَسِبَت "عُمْر الكون"، فتوصَّلت إلى أنَّه 13.7 بليون سنة (13700 مليون سنة).
الآن، اُنْظروا إلى ما قام به هذا "العبقري".
لقد أَخَذَ الرقم 13.7 بليون (سنة) وقَسَّمَهُ على الرقم 6 (أي أيام الخَلْق الستة) فكانت النتيجة هي الرقم 2.2 بليون (سنة).
ولو كان لهذا "العبقري" أنْ يعيد كتابة تلك الآية لكتبها على النحو الآتي: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي 13.7 بليون سنة وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ"!
وأنتَ يكفي أنْ تُتَرْجِم العبارة القرآنية "ستة أيام" بـ "الرقم النجَّاري" 13.7 بليون سنة حتى تَفْقِد العبارة القرآنية "وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ" معناها، فإنَّ هذه العبارة تَسْتَمِدُّ معناها ليس من "إطالة" مُدَّة الخَلْق، وإنَّما من "تقصيرها"!
إذا أنتَ كَتَبْتَ مقالة صحافية طويلة جدَّاً في ستة دقائق، فقد أسألكَ في دهشة قائلاً: "ألَمْ تتعب؟!"؛ أمَّا لو كتبتها في ستة أشهر فإنَّ الحاجة إلى هذا السؤال (المليء دهشةً) تنتفي!
اسألْ الدكتور النجار الآن عن "مقدار كل يوم من أيام الخَلْق الستة" فيُجِبُكَ على البديهة قائلا: "2.2 بليون سنة أرضية".
أمَّا أنا فسأسأله السؤالين الآتيين:
ما مقدار كل يوم من أيام الخَلْق الستة إذا ما توصَّلت "ناسا"، أو غيرها، مستقبلاً، إلى أنَّ "عُمْر الكون" أكبر، أو أصغر، من 13.7 بليون سنة؟
إذا ما أطال الله بعُمْرِكَ أيَّها الدكتور النجار، وظللتَ على قَيْد الحياة إلى أنْ كَبُرَ الكون أكثر، وأصبح عُمْره، مثلاً، 50 بليون سنة، فكم يصبح مقدار كل يوم من أيام الخلق الستة؟
لا شكَّ في أنَّ السؤال الثاني قد صَعَقَكَ أكثر من السؤال الأول، فإذا ما أرَدتَ أنْ تجيب عنه، بما يوافِق منطقكَ المتهافت ذاته، فلا مناص لكَ من أنْ تجيب قائلاً: "إنَّ كل يوم من أيام الخَلْق الستة يَعْدِل 8.3 بليون سنة"!
أيُّها "المُنْجِد"، "المُبْدِع"، "العبقري"، الذي يُصَفِّق لكَ هذا الجمهور العريض الواسع من المُعْجبين، لقد خلطتَّ بين أمرين لا يخلط بينهما إلاَّ "رَجُل خَلْط"، فـ "مُدَّة الخَلْق (خَلْق الكون)" هي شيء، و"عُمْر الكون" هو شيء آخر مختلف تماماً. إنَّكَ لم تميِّز "عُمْر الكون" من "مُدَّة خَلْقِه"!
لقد ابتنى الدكتور النجار منزلاً فخماً له من اتِّجاره بالأوهام التي لها في مجتمعنا سوقاً واسعة مزدهرة. ابتناه في زمن مقداره 6 أشهر. وقد انتهى من بنائه سنة 2003.
لو سألْتَ هذا "العبقري" الآن (أي سنة 2011) عن "مُدَّة" خَلْقِه لمنزله لأجابكَ على البديهة قائلا: "نحو 8 سنوات"!
ولو سألته السؤال نفسه سنة 2013 لأجابكَ على البديهة قائلاً: "نحو 10 سنوات"!
إنَّه لا يُمَيِّز "عُمْر" منزله، والذي هو الآن (أي سنة 2011) نحو 8 سنوات، من "مُدَّة" خَلْقِه لهذا المنزل، والتي هي 6 أشهر؛ ولسوف تظلُّ إلى الأبد 6 أشهر!
إذا كان الرقم 13.7 بليون سنة يَعْدِل "عُمْر" الكون و"مُدَّة" خَلْقِه أيضاً، فهذا إنَّما يعني أنَّ الله قد انتهى من خَلْق الكون قبل بضعة آلاف من السنين، أو غداة مَوْلِد النجار!
وهذا المعنى إنَّما يعني أنَّ الله لَمْ ينتهِ بَعْد من خَلْق الكون؛ ذلك لأنَّ الكون مستمرٌ، يَكْبُر عُمْراً!
وفي مثالٍ افتراضي آخر نقول:
لقد ابتنى الدكتور النجار بناية مؤلَّفة من ثلاث طوابق، اسْتَغْرَق بناؤه لها 13.7 بليون سنة، فكم "عُمْرها"؟
بالله عليكم اسألوه هذا السؤال لعلَّه يجيب.
إذا انتهى من بنائها قبل 3 أشهر فَعْمرها الآن 3 أشهر؛ أمَّا إذا انتهى من بنائها (الذي اسْتَغْرَق 13.7 بليون سنة) قبل 13.7بليون سنة، فَعْمرها الآن 13.7 بليون سنة.
بالله عليكم دعوه يجيب، ويَكْفينا، من ثمَّ، شرَّ "عبقريته"، التي لا يراها عبقريةً إلاَّ كل من خَتَم الله على قلبه.. وعلى سمعه، وجَعَلَ على بصره غِشاوة!
عُمْر الكون 13.7 بليون سنة.. وبحسب "اكتشاف" الدكتور النجار، اسْتَغْرَق "خَلْق" الكون 13.7 بليون سنة، تَعْدِل "الستَّة أيَّام"!
في سورة "السجدة"، وفي الآية 4 منها، نقرأ: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ".
أمَّا في الآية 5 منها فنقرأ: "يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ".
الدكتور النجار، وعن عمد، ضَرَب صفحاً عن الآية 5 من سورة "السجدة". وضَرَب صفحاً عن الآية 47 من سورة "الحج"، والتي نقرأ فيها: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ".
الله خَلَق "السماوات والأرض وما بينهما" في ستة أيام أرضية، هي (بحسب "التفاسير القديمة") أيام الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.*
أمَّا في الآية 5 من سورة "السجدة" فثمَّة حَدَثٌ إلهي، إذا استغرق حدوثه يوماً واحداً، بحسب "الساعة الإلهية"، فإنَّ هذا اليوم الواحد يَعْدِل ألف سنة أرضية. وهذا "الحَدَث" تشير إليه العبارة القرآنية "ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ".
وإذا كان هذا "اليوم الواحد" هو "اليوم عند الله على وجه الإطلاق" فهذا قد يعني (أقول "قد") أنَّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام "إلهية" تَعْدِل 6000 آلاف سنة أرضية.
ولو فسَّرنا ذلك اليوم (الإلهي) الذي يَعْدِل ألف سنة أرضية (أو مِمَّا نَعُدُّ) بما يوافِق "نسبية الزمن" عند آينشتاين لتوصَّلْنا إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّ "الزمن الإلهي" متمدِّد، أي بطيء، وأنَّ "الزمن الأرضي" متقلِّص، أي سريع، فـ "اليوم الإلهي" إنَّما يَعْدِل ألف سنة أرضية.
والزمن، بحسب نظرية آينشتاين، لا يتمدَّد، أي لا يتباطأ، إلاَّ في إحدى ساعتين: الساعة في جسم تسارع حتى قارب سرعة الضوء، والساعة في جسم كوني (كوكب أو نجم مثلاً) قوي الجاذبية.
أمَّا "الكاف" في عبارة "كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ" من الآية 47 من سورة "الحج" فتؤثِّر في معنى "اليوم" في العبارة القرآنية "وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ". وهذا التأثير قد يجعل لـ "اليوم" في هذه الآية معنى "اليوم عند الله على وجه الإطلاق"، فيجوز، من ثمَّ، أنْ نَسْتَنْتِج أنَّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في 6000 آلاف سنة أرضية. وبسب "الكاف" يمكن أنْ نَقِفَ على معانٍ أُخرى.
والتجاهل الأعظم كان تجاهل الدكتور النجار للآية 4 من سورة "المعارج"، والتي جاء فيها: "تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"؛ فهنا، أيضاً، ليس من ذِكْرٍ لعبارة "مِمَّا تَعُدُّون"!
وإذا كان (أو صحَّ أنَّ) اليوم عند الله يَعْدِل 1000 سنة "مِمَّا نعد نحن البشر"، أو 50000 سنة، فإنَّ اليوم (من أيَّام الخَلْق الستَّة) يَعْدِل عند الدكتور النجار 2200 مليون سنة أرضية؛ فاخْتاروا أحد "الحسابين للزمن".. "الحساب الإلهي" أو "حساب النجار"!
والآن، اسْتَعِرْ من هذا "العبقري"، الدكتور النجار، عقله حتى يَسْهُل عليكَ الاقتناع بأنَّ الله أنْفَق من وقته نحو 9 بلايين سنة (لا غير) في خَلْق وإتْمام خَلْق "كوكب الأرض"، وبأنَّ "ما بقي من الكون"، أي السماوات وما بينها وبين الأرض، والذي يَعْدِل 99.9999999999999999999 منه قد اسْتَغْرَق خَلْقه نحو 4.5 بليون سنة!
مجنون يحكي وعاقل يَسْمَع.. كوكب الأرض، الذي يَعْدِل قطرة في بحر، بل في محيط، الكون، اسْتَغْرَق خَلْقُه نحو 9 بلايين سنة؛ وسائر الكون اسْتَغْرَق خَلْقُه نحو 4.5 بليون سنة فحسب!
بالله عليكم جيئوني ولو بعالِمٍ كوني واحد يجرؤ على أن يقول ما قاله هذا "العبقري" الذي اسْتَكْثِرَ عليه أن يكون نجَّاراً!
أُنْظروا الآن في "خُطَّة الخَلْق (الإلهية)" كما بسطها لنا الدكتور النجار. بحسب هذه "الخٌطَّة"، بدأ الخَلْق بخَلْق "الأرض"؛ وقد اسْتَغْرَق هذا الخَلْق نحو 4.5 بليون سنة. وفي "المرحلة الثانية" من "الخُطَّة"، خَلَق الله "السماوات السبع"؛ وقد اسْتَغْرق هذا الخَلْق نحو 4.5 بليون سنة. وفي "المرحلة الثالثة (والأخيرة)"، عاد الله لـ "يِسْتَكْمِل" خَلْق "الأرض"؛ وقد اسْتَغْرَق هذا العمل الإلهي نحو 4.5 بليون سنة.
بالله عليكم جيئوني ولو بعالِمٍ كوني واحد يجرؤ على أن يُخْبِر طفلاً أنَّ "كوكب الأرض" هو أوَّل ما خُلِقَ من الكون (خُلِقَ حتى قبل أن تُخْلَق الشمس)!
"العبقري" النجار قال، وكأنَّ مستمعيه قَوْمٌ من الأغبياء، إنَّ الله، وفي يومين، "خَلَق الأرض من السماء الدخانية الأولى"؛ وهذه "السماء الدخانية الأولى" هي، بحسب "اكتشافه" هو أيضا، ما تَمَخَّضَ عنه "الانفجار العظيم" Big Bang. وهذا "الانفجار" يفهمه الدكتور النجار على أنَّه الأمر الإلهي بـ "الفَتْق".
في "آية الخَلْق الكبرى" نقرأ: "أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ".
إذا كان "الانفجار العظيم" هو "الفَتْق" فغنيٌ عن البيان أنَّ "الأرض" لم تُخْلَق من "السماء الدخانية الأولى"، التي جاء بها هذا "الانفجار".
وغنيٌ عن البيان أيضا أنَّ "الأرض" كانت قبل "الانفجار العظيم"، أي قبل "الفتق".. كانت "ملتصقة، ملتزقة، بالسماء، فبدأ "الخَلْق"، من ثمَّ، بـ "فَصْل" إحداهما عن الأخرى.
قبل أن يبدأ الخَلْق مع أيَّامه الستَّة، كانت "الأرض" و"السماء" مُرتتقتين؛ ثمَّ فَصَلَ الله بينهما إذ أصْدَر أمْر "الفَتْق"، الذي يفهمه الدكتور النجار على أنَّه "الانفجار العظيم".
ويتطرَّف الدكتور النجار في "عبقريته"، فـ "يكتَشِف" أنَّ "الجبال" في الأرض قد أسْقَطَها الله عليها من فَوْق، أي من السماء. وعليه يسمِّيها "الجبال النيزكية"!
ودليله على ذلك هو الآية "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا..". ومعنى الآية الحقيقي، والذي لا يحتاج التوصُّل إليه إلى كل هذه "العبقرية"، هو أنَّ الله جَعَلَ فوْق الأرض (وليس تحتها) جبالاً؛ فإذا أنتَ جَعَلْتَ "منزلاً" فوق قطعة من الأرض قد يُفَسِّر الدكتور النجار وجود هذا "المنزل" فوْق الأرض على أنَّه "منزل نيزكي" أسْقَطَه الله على قطعة الأرض تلك من السماء!
بحسب الدكتور النجار انتهى الله من خَلْق السماوات السبع، بما فيها من مجرَّات ونجوم..، قبل نحو 9 بلايين سنة؛ ثمَّ شرع يَسْتَكْمِل خلق "الأرض"؛ وهذا "الاستكمال" استغرق، على ما يَزْعُم، نحو 4.5 بليون سنة.
لِنَعُدْ إلى "آيات الخَلْق الكبرى" في القرآن، ولنحاول فهم معانيها بمنأى عمَّا دسَّه فيها الدكتور النجار من معانٍ، في سعيه إلى إقامة الدليل على أنَّ بذور النظريات الكوزمولوجية الكبرى، وفي مقدَّمها نظرية "الانفجار العظيم"، كانت كامنة فيها حتى بعثه الله ليُظْهِر ما كان كامناً؛ ولنقارِن، من ثمَّ، أو في أثناء ذلك، بين فهمنا لتلك الآيات وبين تأويله لمعانيها، والذي قوامه التدليس بوجهيه اللغوي والعلمي.
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (ق ـ 38)".
"ولقد خلقنا..".. فِعْل "الخَلْق"، هنا، انتهى؛ ولقد انتهى منذ زمن طويل؛ وإتمامه وانتهاؤه مؤكَّدين، لغوياً، بـ "قد"؛ ومؤكَّدين، معنوياً، أي بحسب المعنى، هنا، بالعبارة "وما مسَّنا من لغوب"، فلو أنَّ فِعْل الخَلْق هذا لم ينتهِ بعد، أو لم ينتهِ عند نزول هذه الآية، لانتفت الحاجة إلى قوله "وما مسَّنا من لغوب".
أمَّا فِعْل الخَلْق هذا فقوامه "خَلْق السماوات والأرض وما بينهما". وأنتم لو أمعنتم النظر في هذه الآية، وفي سائر آيات الخلق لـ "الكون"، لَمَا رأيْتُم "الخَلْق الإلهي (القرآني)" مساوياً لفكرة "الخَلْق من العدم (Nothingness)"، أي خلق شيء من لاشيء.
الله خلق "الأرض"، مثلاً؛ لكنَّه لم يخبرنا "كيف"، وإنْ أخبرنا ضِمْناً أنَّ الأرض لم تُخْلَق من "لاشيء". وخلق الله لـ "الكون (مع أنَّ القرآن لم يأتِ على ذِكْر كلمة "الكون")" إنَّما هو خلق لـ "شيئين بينهما شيء ثالث"؛ وهذان الشيئان هما "السماوات" و"الأرض". و"التصوُّر الهندسي" لهذا "الخلق الثلاثي" إنَّما يقوم على "تحتٍ" هي "الأرض"، وعلى "فوقٍ" هو "السماوات". وبين "التحت الأرضي" و"الفوق السماوي" خلق الله أشياء كثيرة، منها، على سبيل المثال لا الحصر، القمر، والشمس، والنجوم.
و"السماوات" هنا إنَّما هي كل هذا "الفراغ"، أو "الفضاء"، الذي يعلو سطح الأرض، والتي (أي السماوات) يمكن أن نتصورَّها على أنَّها مشتملة على تلك "القُبَّة الزرقاء". ولمزيدٍ من الفهم الواضح والجلي لمعنى "السماوات" ينبغي لنا أن نفهم العبارة "وما بينهما" على أنَّها "عبارة مكانية"، فمخلوقات كالقمر والشمس والنجوم إنَّما هي مخلوقات تتوسَّط، أو تقع بين، "الفوق السماوي" و"التحت الأرضي".
و"الأرض (المخلوقة)"، هنا، إنَّما تعني، بحسب فهمنا لمعاني الآية، ولمعاني سائر الآيات التي تتحدَّث عن خلق "الأرض"، "اليابسة الأرضية". إنَّها لا تعني "الكرة الأرضية"، بيابستها ومحيطاتها وغلافها الجوي وجوفها. و"السبع أرضين" إنَّما هي أراضٍ تقع تحت "أرضنا"، أي تحت اليابسة التي عليها نعيش نحن البشر.
وخلق "السماوات"، كما يتضح في آيات أُخرى، إنَّما يشبه، أو يماثل، "تَعَدُّد الواحد"، ففي مبتدأ خلق "السماوات"، كانت "السماء الواحدة الأولى"، فجعلها الله "سبع سماوات"، "الدنيا" منها هي سماؤنا، أي السماء الأقرب إلى الأرض، أي إلى "اليابسة". وفي "التصوُّر الهندسي" يمكن ويجب فهم "السماوات السبع" على أنَّها كالطبقات تعلو بعضها بعضاً، أي تشبه بناءً (فراغياً، فضائياً، سماوياً) مؤلَّفاً من سبع طوابق، "الأرض"، أو "اليابسة"، هي "قاعدته".
وإذا كان خلق "السماوات والأرض وما بينهما" هو "فِعْلٌ"، أو "حَدَث"، فإنَّ لهذا "الفعل"، أو "الحدث"، "بداية" و"نهاية" في "الزمان"؛ ولقد استغرق "ستة أيام"، أجمعت التفاسير القرآنية السابقة على أنَّها أيام الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.
أمَّا إذا اعترض أحد المُحْدِثين، كالدكتور النجار، على هذا التفسير لـ "الأيام الستة" فإنَّنا نَعْتَرِض على اعتراضه قائلين إنَّ "اليوم" في تلك العبارة القرآنية، أي عبارة "الأيام الستة"، إمَّا أن يكون "يوماً من أيام الأسبوع الأرضي" وإمَّا أن يكون "يوماً من الأيام عند الله"؛ ولن نقبل أبداً "اليوم النجَّاري"؛ لأنْ لا القرآن يُقِره ولا علم الكون.
و"اليوم عند الله"، وبحسب النص القرآني، لا يقلُّ عن ألف سنة أرضية، ولا يزيد عن خمسين ألف سنة؛ أمَّا بحسب "علم الغيب" فإنْ اختلف مقداره عن هذين المقدارين فلن نعرف أبداً هذا "المقدار الافتراضي المُخْتَلِف"، فقد يكون أقل، أو أكثر، من يومٍ أرضي، أو من ألف سنة أرضية، أو من خمسين ألف سنة أرضية.
ومع ذلك، ها هو الدكتور النجار يجرؤ على الادِّعاء بأنَّه عرف شيئاً من "علم الغيب" في هذا الأمر، فهو زعم أنَّ الله قَصَدَ "مراحل زمنية (طويلة)" إذ قال "في ستة أيام"؛ ولقد أجاز لنفسه أن يقول إنَّ اليوم من تلك الأيام الستة يَعْدِل نحو 2200 مليون سنة أرضية، متَّخِذاً من "عدم وجود" العبارة القرآنية "مِمَّا تُعِدُّون" دليلاً على صدق زعمه، فما قوله في الآية 4 من سورة "المعارج"، والتي جاء فيها: "تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"؟!
هنا، ذَكَر الله كلمة "يوم"، مُقَدِّراً إيَّاه إذ قال "كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"؛ لكن من غير أن يقول "مِمَّا تُعِدُّون"!
إنَّني لا أعرف من ذا الذي أخبر الدكتور النجار أنَّ "اليوم" من "أيام الخلق الستة" يَعْدِل 2200 مليون سنة "مِمَّا نَعُدُّ"؟!
الله يُخْبِرنا أنَّه قد خلق "السماوات والأرض وما بينهما" في ستة أيام؛ ونظرية "الانفجار الكبير" تُخْبِرنا أنَّ هذا "الانفجار (السحري الغامض)" هو الذي خلق "كل شيء (المادة والكتلة والطاقة والقوى والمكان والفضاء والزمان والجسيمات..)" في زمن يُقاس بأجزاء من الثانية؛ أمَّا الدكتور النجار، الذي له أُفْق يَسَع كل شيء ولا يسعه شيء، فيُخْبِرنا أنَّ الله قد خلق الكون في زمن مقداره 13.7، هو ذاته "مقدار عُمْر الكون" بحسب خبر "ناسا" الذي تناهى إلى سمعه.
"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (السجدة ـ 4)".
إنَّنا ندعو الدكتور النجار إلى أنْ يُفكِّر ملياً في العبارة القرآنية "ثمَّ استوى على العرش".
الفعل "استوى" إذا جاء بعده حرف الجر "على" فمعناه، عندئذٍ، هو استقرَّ، أو جلس، على العرش؛ أمَّا إذا جاء بعده حرف الجر "إلى" فمعناه، عندئذٍ، قَصَدَ الشيء، أو توجَّه إليه.
لقد انتهى، منذ زمن طويل، ذلك الفعل الإلهي، أي فعل "خلق السموات والأرض وما بينهما"، بدليل قوله "ثمَّ استوى على العرش"، فكيف لله أن يستوي على العرش إذا كان فعل الخلق لم ينتهِ بعد، أو إذا ما كانت "مُدَّة الخلق" هي ذاتها "عُمْر الكون"، الذي، على ما نعرف، وعلى ما يعرف الدكتور النجار، لم ينفد عُمْره بَعْد؟!
أنتَ يكفي أن تقول بالتماثل بين "مُدَّة الخلق" و"عُمْر الكون"، وبأنَّ "عُمْر الكون" لم ينتهِ بَعْد، حتى يقودكَ هذا "الإيمان" إلى "الكفر"؛ ذلكَ لأنَّ معنى قولكَ بهذا وذاك هو أنَّ الله لم يستوِ بَعْد على العرش!
وأنتَ يكفي أن تقول بهذا التماثل، وأن تزعم، من ثمَّ، أنَّ "أيام الخلق الستة" تَعْدِل 13.7 بليون سنة أرضية حتى لا تَجِد مفراً من أن تزعم عندما يصبح عُمْر الكون 50 بليون سنة، مثلاً، أنَّ "أيام الخلق الستة" ما عادت تَعْدِل 13.7 بليون سنة، وإنَّما غدت تَعْدِل 50 بليون سنة، أي أنَّ اليوم من تلك الأيام الستة، والذي كان حتى كتابة هذا السطر يَعْدِل 2200 مليون سنة، أصبح (إذ أصبح عُمْر الكون 50 بليون سنة) يَعْدِل 8300 مليون سنة؛ ولن ينتهي أبداً هذا التغيير في "المُعادِل الزمني الأرضي" لـ "يوم الخلق"!
"وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (هود ـ 7)".
في هذه الآية، نقف على بعضٍ من معاني "الخلق"، فالله الذي عرشه في السماء مُذْ انتهى من خلق "السماوات والأرض وما بينهما" كان عرشه "على الماء" إذ شرع يخلق "الكون".
إنَّ "الله الذي عرشه كان على الماء" قد شرع يخلق "السماوات والأرض وما بينهما، فهل من إشارة قرآنية إلى "الكيفية"، أي إلى كيفية خلق الله للسماوات والأرض وما بينهما؟
أجل، هناك إشارة في الآية 30 من سورة "الأنبياء": "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ".
إذا كان الدكتور النجار يريد لنا أن نفهم خلق "السماوات والأرض وما بينهما" على أنَّه هو ذاته، أو ذاته تقريباً، "الانفجار العظيم" Big Bang، في لغة "الكوزمولوجيا"، فإنَّني أقترح عليه أن ينبذ نظرية "الانفجار العظيم" وأن يأخذ بنظرية "الفتق العظيم"، فـ "الخلق القرآني" لـ "الكون" إنَّما هو فعل "فَتْق" لشيئين كان (قبل الخلق) مرتتقين، ملتصقين، ملتزقين، هما "السماوات" و"الأرض".
هذه هي الآية التي يتَّخذها الدكتور النجار جسراً بين القرآن ونظرية "الانفجار العظيم"، فَلْنَدَعْهُ، أوَّلاً، يشرع في تأويلها بما يجعلها و"النظرية" في توافق تام في المعنى.
يرى الدكتور زغلول أنَّ خلق السماوات والأرض بدأ مِنْ "جرم ابتدائي واحد"، سمَّاه الله (بحسب تأويله) باسم "مرحلة الرتق". ثمَّ أمر الله بـ "فتق هذا الجرم الابتدائي فانفتق". وهذه المرحلة يسمِّيها القرآن باسم "مرحلة الفتق". وما أن انفتق هذا الجرم حتى تحوَّل إلى "سحابة من الدخان (مرحلة الدخان)"، الذي منه خلق الله الأرض والسماء، وما ينتشر بينهما من المادة والطاقة.
ويمضي الدكتور زغلول قائلاً: "ثمَّ يأتي العِلْم المكتسَب، في منتصف القرن العشرين، ليكتشف شيئاً من معالم تلك الحقيقة الكونية، ويظل يجاهد في إثباتها حتى يتمكَّن من شيء مِنْ ذلك عند نهايات القرن المنصرم". وبحسب تأويل الدكتور النجار، دعا هذا العِلْم المكتسب "مرحلة الفتق"، نظرية "الانفجار العظيم".
ولكن، ما قول الدكتور النجار في مرحلة كونية افتراضية أُخرى تسمَّى "الانسحاق العظيم" Big Crunch والتي فيها تسود قوَّة الجاذبية الكونية سيادة "مطلقة"، فينكمش الكون ويتقلَّص، منهاراً على ذاته؟
لقد رأى في عبارة "طيِّ السماء" القرآنية مرادفاً لنظرية "الانسحاق العظيم".
ويَنْظُر الكاتب إلى مرحلة "الانسحاق العظيم"، وهي مرحلة "نهاية كوننا المتمدِّد"، على أنَّها عودة إلى "مرحلة الرتق"، التي سيعقبها "فتق"، أي انفجار كوني جديد، فسحابة من الدخان، يخلق الله منها أرضاً غير الأرض، وسماوات غير السماوات.
"يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ".
في هذه الآية، من سورة "الأنبياء"، اكتشف الدكتور زغلول الإشارات القرآنية إلى مرحلة "الانسحاق العظيم"، قائلاً: في هذه المرحلة سوف يطوي الله صفحة الكون، جامعاً كل ما فيها مِنَ المادة والطاقة والمكان والزمان على هيئة "جرم ابتدائي ثانٍ"، أي "رتق ثانٍ"، شبيه تماماً بـ "الجرم الابتدائي الأوَّل (الرتق الأوَّل)". وبأمر من الله ينفجر هذا الجرم الثاني كما انفجر الأوَّل، ويتحوَّل إلى "سحابة دخان"، يخلق الله منها أرضاً غير أرضنا الحالية، وسماوات غير السماوات التي تظلِّلنا.
وهنا، يقرِّر الدكتور زغلول، تبدأ "الحياة الآخرة"، التي من سننها وقوانينها "الخلود". إنَّ مرحلة "الانسحاق العظيم" هي، في تأويله، مرحلة "إفناء الكون"!
"الفتق"، لغة، هو "شقُّ" الشيء، أي فصل بعضه عن بعض. قال ابن منظور في "لسان العرب": "الرَّتْقُ هو ضد الفتْقُ". وقال ابن سيده: الرَّتْقُ هو إلحام الفتْقِ وإصلاحه، فنحن نقول "رَتَقَه، يرتُقُه ويرتِقُه، رتقاً، فارتتق"، أي التَأَم"؛ ونقول "فتقه يفتقُّه فتقاً"، أي شقَّه، فالفتق خلاف الرتق.
وجاء في "التفاسير":
"أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا"، أي كانتا متَّصلتين، متلاصقتين، في ابتداء الأمر، ففتق الله هذه مِنْ تلك، فجَعَلَ السموات سبعاً والأرض سبعاً، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بـ "الهواء"، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض. ولهذا قال: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..".
اختلف المفسِّرون في المراد بـ "الرتق" و"الفتق"، وكان قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس إنَّ المعنى هو "كانتا شيئاً واحداً. كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي، وأقرَّ الأرض". وهذا القول يوجب أنَّ خلق الأرض مقدَّم على خلق السماء؛ لأنَّ الله لمَّا فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية.
وقال ابن عبَّاس: "نعم، كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلمَّا خلق للأرض أهلاً فتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات".
وقال عطية العوفي: "كانت السماء رتقاً لا تمطر فأمطرت، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت فأنبتت".
وقال إسماعيل بن أبي خالد: "كانت السماء واحدة، ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة، ففتق منها سبع أرضين".
وقال بعض أهل التأويل: إنَّ السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء.
أمَّا السُّدِّي فقال: "كانت سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين".
وقال أبو جعفر: أوْلى الأقوال، في ذلك، بالصواب، قول من قال إنَّ السماوات والأرض كانتا رتقاً من المطر والنبات ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات، وإنَّما قلنا ذلك أوْلى بالصواب، في ذلك؛ لدلالة قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..".
وقال كعب: "خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً في وسطها، ففتحها بها، وجعل السموات سبعاً والأرضين سبعاً".
الآية، في ضوء كل تلك التفاسير، تحمل معنيين: أنَّ السماوات والأرض كانتا رتقاً من المطر والنبات، ففتق الله السماء بالغيث، والأرض بالنبات. والدليل على هذا المعنى قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ". والمعنى الثاني، أنَّ السماء والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء، أو الريح، فالسماء رفعها عن الأرض بغير أعمدة (تأكيداً لقدرته) أي جعلها مُقبَّبة على الأرض مثل القُبَّة.
لقد بنى الله السماء، أي رفعها بغير عمد ترونها. رفعها سقفاً بقوَّة. فما معنى ذلك؟
معناه، الذي لا يختلف فيه اثنان يحتكمان إلى المنطق، هو أنَّ السماء كانت ملتصقة بالأرض، ففصلها عن الأرض إذ رفعها عنها بغير عمد، فصار بينهما هواء أو ريح.
قال ابن كثير: السماء على الأرض مثل القُبَّة‏,‏ أي بلا عمد‏.‏ وهذا المعنى هو ما يُناسِب السياق، وما يَظْهَر من الآية "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ". وعلى ذلك، تُفْهَم عبارة ‏"ترونها‏" على أنَّها تأكيد لنفي ذلك‏,‏ أي أنَّ السماء مرفوعة بغير عمد كما ترونها‏.‏
الآية إنَّما خاطبت عقول الناس الذين أدهشتهم رؤية السماء مرفوعة عن الأرض كسقف لا أعمدة له، فقالت لهم إنَّ السماء كانت، مِنْ قَبْل، ملتصقة بالأرض، فرفعها الله بقدرته الخارقة بغير عمد ترونها. وإذ فصلها ورفعها عن الأرض صار ممكنا أنْ تمطر السماء، وأنْ تنبت الأرض، وأنْ تكون حياة، فمِنَ الماء خلق الله كل الكائنات الحية.
هذا هو المعنى الحقيقي للآية القرآنية الذي يشوِّهه ويفسده الدكتور زغلول بقوله إنَّ "الرتق" هو "البيضة الكونية" Singularity التي منها انبثق الكون، وإنَّ "الفتق" هو "الانفجار العظيم" Big Bang.
في العودة إلى "البرنامج الزمني" لخلق "السماوات والأرض وما بينهما"، كما بسطه الدكتور النجار، يُخْبِرنا هذا "المُنْجِد" أنَّ للزمن مفهوماً "نسبياً"، ينبغي لنا وفقه أن نفهم "أيام الخلق الستة".
إنَّني لا أعرف عن أيِّ "نسبية زمنية" يتحدَّث الدكتور النجار. هل هو يتحدَّث عن "نسبية الزمن" التي بسطها آينشتاين؟!
إنَّنا لا نعرف من "نسبية زمنية" إلاَّ تلك التي جاء بها آينشتاين، ولا نعترف بغيرها؛ لكنَّ هذه النسبية الآينشتاينية تخبرنا أنَّ الزمن يتمدَّد، أو يبطؤ، حيث يُسْرِع ويتسارع الجسم، بالِغاً ضواحي "السرعة الضوئية"، أو حيث تشتد ونَعْظُم الجاذبية (أو انحناء الفضاء). وإنَّ الانحناء الأعظم للفضاء، وللمكان، نراه في "الثقب الأسود" Black Hole حيث "الثانية الواحدة" هناك تَعْدِل بلايين السنين مِمَّا نَعُدُّ.
وأحسبُ أنَّ قليلاً من الإيمان الديني يجب أن يردع صاحبه عن تفسير "اليوم عند الله" بما يوافق "نسبية الزمن" عند آينشتاين، ففي الحديث عن "الزمن الإلهي" يجب نبذ عاملي تمدُّد، أو تباطؤ، الزمن، وهما "السرعة" و"الجاذبية"!
يقول الدكتور النجار: "يومان كانا لخلق الأرض من السماء الدخانية الأولى..". أوَّلاً، من ذا الذي أجاز له استعمال حرف الجر "مِنْ"، أي من ذا الذي أخبره أنَّ "الأرض" قد خلقها الله "من" السماء الدخانية الأولى؟!
لقد كانت السماوات والأرض رتقاً ففتقهما الله. هذا هو جوهر مفهوم الخلق الإلهي للأرض. إنَّه فعل "فَصْلٍ" لكليهما عن الآخر، فَمِنْ أين جاء بفكرة خلق "الأرض" من "السماء الدخانية الأولى"؟!
و"الأرض"، بحسب النص القرآني، إنَّما خُلِقَت على مرحلتين، تتوسَّطهما "مرحلة ثالثة" هي مرحلة جَعْل السماء الواحدة الأولى سبع سماوات.
في "المرحلة الأولى"، والتي استغرقت يومين اثنين، خلق الله "الأرض"، أي أنشأ "اليابسة"؛ ثمَّ "استوى إلى السماء وهي دخان"، أي قَصَدَ السماء وهي دخان، أو توجَّه إليها، فجعلها، أو "قضاهن"، "سبع سماوات". وقد استغرقت مرحلة "خلق السماوات السبع من السماء الأولى" يومين اثنين.
ثمَّ استكمل الله وأتمَّ خلق "الأرض"، وخلق آدم، في اليومين الأخيرين من أيام الخلق الستة، فـ "جعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها، وقدَّر فيها أقواتها".
وأنتَ يكفي أن تأخذ بـ "الجدول الزمني للخلق"، كما بسطه الدكتور النجار، حتى تتوصَّل إلى استنتاجات لا يقرها عقل أو عِلْم؛ ومن هذه الاستنتاجات أنَّ "الأرض" هي "أقْدَم" شيء في الكون، فهي وُجِدَت ليس قبل وجود الشمس فحسب، وإنَّما قبل وجود مجرَّتنا، مجرَّة "درب التبانة"، وقبل وجود كل ما في الكون من أجسام.
ومنها، أيضاً، أنَّ خلق "الأرض"، على مرحلتين، قد استغرق زمناً مقداره نحو 9 بلايين سنة، في حين لم يستغرق خلق سائر الكون، أي كله تقريباً، أكثر من 4.5 بليون سنة.
وما يسميه الدكتور النجار "التدبير الجيولوجي" للأرض (وهو "أُستاذ علوم الأرض") بدأ إذ "تصلَّبت القشرة الأرضية"؛ وقد استغرق هذا "التدبير الجيولوجي" زمناً مقداره، بحسب حساباته، 4.5 بليون سنة؛ أمَّا القشرة الأرضية فلم تتصلَّب، وبحسب حسابات "أُستاذ علوم الأرض"، إلاَّ بعد انقضاء 4.5 بليون سنة على خلق الله للأرض.
لو أنَّ "أُستاذ علوم الأرض" كتب في رسالته، التي بفضلها نال هذا اللقب الأكاديمي الرفيع، أنَّ خَلْق، أو تكوين، كوكب الأرض قد استغرق (في "مرحلتيه") زمناً مقداره 9 بلايين سنة (لا غير) لقرَّر مانحو هذا اللقب، أو تلك الدرجة، إعادته إلى المرحلة الابتدائية من التعليم المدرسي!
الله خلق آدم في الساعة الأخيرة من "زمن الخلق" الذي استغرق ستة أيام، فلو سُئِل "أُستاذ علوم الأرض" عن "عُمْر" كوكب الأرض عند خلق الله لآدم لاضطُّر، عملاً بمبدأ "اتساق الفكر مع نفسه"، إلى أن يجيب قائلاً: "كان عُمْره 13.7 بليون سنة"، فهل وَقَفْتُم الآن على معالم العبقرية في "فكر" الدكتور زغلول النجار، الذي يستحق عن جدارة لقب "أُستاذ الشعوذة" على مستوى الكوكب كله؟!
---------------
ملاحظة :
* تفسير "أيام خلق الكون" بأيام الاسبوع ورد في الحديث الآتي في "صحيح مسلم"، والذي صححه الألباني أيضا في صحيح الجامع.
أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال " خلق الله ، عز وجل ، التربة يوم السبت . وخلق فيها الجبال يوم الأحد . وخلق الشجر يوم الاثنين . وخلق المكروه يوم الثلاثاء . وخلق النور يوم الأربعاء . وبث فيها الدواب يوم الخميس . وخلق آدم ، عليه السلام ، بعد العصر من يوم الجمعة . في آخر الخلق . في آخر ساعة من ساعات الجمعة . فيما بين العصر إلى الليل " .
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2789 خلاصة حكم المحدث: صحيح