الأحد، 25 سبتمبر، 2011

الانتحار وازدواجية الموقف البشري

If they tell you that she died of sleeping pills you must know that she died of a wasting grief, of a slow bleeding at the soul. Clifford Odets

إذا أخبروك أنها ماتت بسبب الحبوب المنومة فيجب أن تعرف أنها ماتت حزنا ..هزالاً من نزف الروح البطيء.
- حسب مركزٍ لأبحاث الانتحار تابع ٍ لجامعة أوكسفورد 800000 سنويًا والسبب 11 عالميا للوفاة
وبالتعريف هو الأذى الذاتي المتعمد وتشمل حالات محاولة الانتحار أيضا. الكلمة Suicide هي من الأصل اللاتيني
sui caedere - قتل النفس
أما حسب دوركايم (
Émile Durkheim ) فهو: كل حالات الوفاة الناتجة مباشرة أو غير مباشرة من فعل إيجابي أو سلبي والضحية يعلم أنه سيؤدي لتلك النتيجة.
ربما لن يكون هناك تعريف أوضح وأشمل من هذا وركز دوركايم على
تناوله كظاهرة اجتماعية وأنها تتأثر بعوامل على مستوى الجماعة - قوى وعوامل اجتماعية - فكان أثناء دراسته الشهيرة للبيانات و العينات قد درس الحالة العائلية والانتماء الديني والحالة الاقتصادية والخدمة العسكرية - استقى البيانات من مصادر حكومية- وخلص إلى نتائج لا زالت توصف بالعلمية والصحيحة مع أن الباحثين حاليا أضافوا عوامل أخرى خاصة النفسية التي ما أغفلها هو نفسه ولكن عجزُ نظريته ِعن التنبؤ بالحالات ممكنة الحدوث - التنبؤ - كانت مأخذًا كبيرًا وتبين أن دراسة الظاهرة من وجهة نظر علم النفس للسلوك الفردي كان ذا نتائج باهرة وفيما بعد أ ُدخلَ العاملُ الجغرافي والبيولوجي والعادات الحياتية التي كانت تندرج تحت الدراسة النفسية مثلا ً تبين أن للتدخين علاقة واضحة مع الانتحار والكحول أيضا خلصت الدراسات إلى نتيجة واضحة بأن الإفراط لفترة طويلة يعد مؤهبًا معروفا للحالة الإكتئابية .
معظم التصنيفات سواء صعوبة التأقلم أو اللانتماء إلى المحيط أو الفقر أو المراحل الانتقالية الكبيرة والسريعة في المجتمع - مع الملاحظة بأن النسب تنخفض في الحروب ذاتها - وحتى الاختلافات الجغرافية الهائلة وحالة التدين يمكن إرجاعها إلى تسببها باضطرابات نفسية باتت معروفة بمسؤوليتها في الدفع للانتحار لذلك الطب الحديث يركز على علم النفس بكل تخصصاته الفرعية بما فيه علم النفس التطوري الذي نتيجة دراسات وجدت رابطًا إيجابيًا بين الذكاء و ارتفاع معدلات الانتحار ...
لدينا حالات خاصة من الانتحار أهمها :
-
prayopavesa لدى الهندوس وهو.الصيام حتى الموت كحق في إنهاء حياة واحدة ولو بشروط .
- التضحية بالنفس التي كانت سائدة لدى الأرامل سواء طوعًا أو بضغط أهل الزوج في المجتمع الهندوسي خلال العصور الوسطى.
- الساموراي لديه الانتحار كتكفير عن إخفاق أو احتجاج ويصنف البعض في أشكال الاحتجاج أيضا التضحية بالنفس كما التفجيرات موضة هذا الزمان ولا أعتقد ذلك صحيحا فالذي يحرق نفسه مثلا دون أذية أحد فنعم ولكن إلحاق الأذى بالآخر لا سيما المدنيين ليست غير انتحار إرهابي فهو ليس في حرب لتصفه بأعمال تضحية كالكاميكاز الياباني
- الشهادة عموما كطيف أوسع من حيث إضفاء القدسية على فعل القتل بكل أنحاءه (النفس و الآخر)
- قضية –
القتل الرحيم – طبعا هو بالنتيجة انتحار أيضا .
تناول بعض المحاكم القضية أو تعاطي الأطباء و من يعتبرون مسؤولين أيضا – رجال الله في الأرض – في الموضوع مع وفرة الأدلة نحو مشروعية ذلك وعدم وصفه بالانتحار وعدم تقييمه أخلاقيا كما ينطبق الحال في الحالات السابقة كلها حيث نفس النتيجة بإضفاء الشرعية عليها . مما يعني جواز تكرار الحالات تلك .
هذا يدفعنا ذلك للتساؤل من الذي يملك حق التقييم ثم محاكمة الانتحار - المنتحر أو المحاول - كجريمة؟؟؟
لدوركايم كلمة جميلة هي لا ينبغي أن نقول فعلا ما يصدم الضمير العام لأنه إجرامي ولكنه بالأحرى إجرامي لأنه يصدم الضمير العام والنتيجة هي مكاشفة عميقة أدت إلى تطوير فهمنا وتعاملنا مع قوانيننا الاجتماعية فليس الصحيح أن نبحث في العقلية الإجرامية بل أن نبحث في العقلية الاجتماعية التي تعرِّفُ سلوكاً ما بتلك الصفة وتقوم بالتصنيف والعقاب ولا يخفى أنه ثمة اختلافات كبيرة بين أمم وأخرى في تصورها فكيف لك أن تعمم قوانينك وهل كل البشر يعيشون في ظروف تتوافر فيها الرعاية للمنهارين نفسيا ...
الحد الفاصل بين الانتحار و التضحية والاستشهاد يتشكل اجتماعيا وإلا فالأصل أن القتل هو القتل .
ما دامت الأذية مقتصرة على المنتحر بنسبة أكبر وتحول وجوده لعبء على محيطه قبل أن يكون عليه فلما لا يسمون انتحاره بفعل التضحية الكبرى... فالمفروض باعتقاد غير الموافقين هو أن هذا إنسان مأزوم - متأزم - بالتالي بحاجة لمساعدة والمساعدة في أكثر البلدان النامية هي إما بسحر او تضامن عائلي سرعان ما ينتهي بالسأم ليست كل المجتمعات مؤهلة للتعامل ولو على المستوى الحكومي مع حالات بلوغ درجة الانتحار أو اتخاذ القرار ومن المعروف أنه ثمة مرحلة بعد ظهور العلامات الإنذارية يسير الدافع متضخمًا ما لم يساعد أحد بالتدخل في الحلقات المفرغة .
والملاحظ أن الحديث هو عن شكل من الانتحار يحاول الجميع محاربته وإيقافه لمجرد كون المنتحر مرتبط بعقد اجتماعي سابق - بينما الأشكال الأخرى والتي يجدر بهم محاربتها هم يغضون الطرف أو يمجدونها إعلاميا - بتحويلها إلى مآثر -
مؤخرا قد اتخذت سويسرا قانونًا لتسهيل القتل بمساعدة عبر إضفاء الشرعية كما المحكمة العليا في لوزان عام
2006 بمنح من يعانون صعوبات نفسية منذ فترة طويلة الحق في انهاء حياته من قبل طرف مجهول. كما نجد أحد أهم أنصار هذه الفكرة في أمريكا الدكتور جاكوب آبل يطالب المجتمع الأميركي الطبي بأنه يجب التغاضي عن انتحار بعض الأفراد المصابين بمرض عقلي كشكل من أشكال - القتل الرحيم -
فكرة
الحق قي الموت - يجب أن يدرج في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - تتردد منذ زمن بعيد ووظفها سقراط بصورة أسطورية فما بالك بأشكال الانتحار الأخرى التي يعاني فيها الكائن البشري ما لا يطيق .. بعودة بسيطة إلى مذكرات المنتحرين و جلساتهم النفسية وكتابات الأدباء الذين وصلوا إلى درجة ما من الألم المماثل .. ستشعر بأن العالم يفقد معناه بمجرد الاقتراب منهم فكيف إذا دخلت تلك الحالة ... خاصة وأن الانتحار بحد ذاته هو طلب للمساعدة سواء بالعلامات الإنذارية التي باتت معروفة علميا أو بمحاولة الانتحار ذاتها أو بوقوع الفعل نفسه والعجز عن المساعدة هو حقيقي لتقصير خارجي سواء لعدم الإلمام بالانتحار جيدا أو للتقصير في الدعم وفي كلا الحالتين يحق لهذا المتألم أن ينهي عذابه بيده أو بمساعدة الآخر قانونيًا لأننا نصر على القول أن ما يصدمنا فيه ليس أن الانتحار جريمة بل لأن عقليتنا هي التي تصنفه كذلك . و المرض العقلي نسبة تَسبُّبه في الانتحار قليلة مقارنة بالاكتئاب واضطرابات المزاج أو العوامل الاجتماعية التي درسها دوركهايم .. وإلا فكل البشر مختلون عقليا..
- عرفنا مؤخراً دور الإعلام في ارتفاع نسبة الانتحار أيضا لذا أؤكد أن نشر هذا الكلام هو للتأكيد على حقنا في اختيار موتنا ضمن ضوابط فد نعود إليها لاحقاً إذا كان لا بد من عودة للتفصيل في الجانب المظلم من الوجود الإنساني .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق