الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

أهم الابحاث القرآنية في نهاية القرن العشرين


(صورة لصحيفة قرآنية صنعانية مصنوعة من الرق كُتبت عليها في عصر مبكرٍ آيات قرآنية بعد أن شُطِفت آياتٌ أخرى.)
مقالة لتوبي لِستَر
المصدر: مجلة ذي أتلانتك 1999 
ترجمة: ابن المقفع
مصدر المقالة المترجمة: منتدى الملحدين العرب
في عام 1972 وخلال عملية ترميم للمسجد الكبير في صنعاء,في اليمن, عثر العمال الذين كانوا يعملون في عليّة بين السقفين الخارجي والداخلي لبناية على مقبرة مثير للإعجاب, بالرغم من أنهم لم يُدركوا ذلك آنذاك . لقد بإمكاننا أن نعذرهم على جهلهم, فالمساجد لا تضم قبورا عادة, ولم يحتوي هذا الموقع على شاهد قبر, ولا رفات إنسان, ولا مجوهرات جنائزية. لم يحتوي في الحقيقة إلا هريسة غير جذابة من الوثائق المصنوعة من الرِق ومن الورق, كتبٌ تالفة وصفحات متفرقة من نصوص عربية, قد التحمت معا نتاج قرون طويلة من الأمطار والرطوبة, وقُرضت عبر السنين من قبل الجرذان و...

الحشرات. فقام العمال بتجميع المخطوطات, لرغبتهم في إتمام عملهم, وحشروها في حوالي عشرين ظرف بطاطس, وطرحوها جانبا على سلالم مئذنة المسجد, حيث حُبِست هناك وحيث كان من الممكن أن تُنسى ثانية لولا القاضي إسماعيل الأكوع , الذي كان مديرا لمديرية الآثار اليمانية, والذي أدرك الأهمية المحتملة للمُكتَشَف.
طلب الأكوع مساعدة دولية لغرض فحص وصيانة القصاصات, وفي عام 1979 =تمكن من إثارة اهتمام مختصً ألماني زائر, قام بدوره بإقناع الحكومة الألمانية بتنظيم وتمويل مشروع الترميم. بعد بدء المشروع, سرعان ما تبيّن أن الذخيرة كانت نموذجا رائعا لما يُسمّى أحيانا "مقبرة الأوراق." وفي هذه الحالة تبين أنه "قبرٌ" , , لعشرات آلاف القصاصات الخاصة بما يقارب من ألف مصحف قرآن مختلفٍ مصنوع من الرق, الذي يعتبر الكتاب المقدس الإسلامي, وذلك من بين أشياء أخرى احتواها "القبر". في بعض الدوائر الإسلامية التقيّة يُعتقد بأن النسخ المتهالكة أو التالفة من القرآن يجب أن تُسحب من التداول, ومن هنا جاءت فكرة القبر, الذي يحفظ قدسية النصوص التي تركت لترتاح ويضمن أن النسخ الكاملة والنظيفة للكتاب هي فقط التي تُقرأ. 
يبدو أن بعض الرقوق في الذخيرة اليمانية تعود إلى القرنين السابع والثامن ق.م. أو القرنين الهجريين الأولين. بكلمات أخرى, كانت تلك قصاصات مما يمكن أن تكون أقدم مصاحف القرآن في الوجود. الأكثر من ذلك هو أن بعضا من هذه القصاصات تكشف عن اختلافات صغيرة ولكنها مثيرة للاهتمام عن النص القرآني المتفق عليه. بالرغم من أن هذه الاختلافات لا تعد مفاجِئة لمؤرخي النصوص, إلا أنها تتعارض بشكل معضل مع الاعتقاد الإسلامي التقليدي بأن القرآن كما قد وصل إلينا اليوم, هو ببساطةٍ كلمة الله الخالدة التي لا تبديل لها. 
إن الجهود العلمانية عموما والتي تنشد إعادة تفسير القرآن, والتي تعتمد في أحد جوانبها على الدليل النصّي كمثل ذلك الذي تقدمه قصاصات اليمن, تربك وتعد مهينة للكثير من المسلمين , بنفس الطريقة التي تعتبر فيها محاولات إعادة تفسير الكتاب المقدس وحياة يسوع مربكة ومهينة للعديد من المسيحيين المحافظين. إلا أن هنالك علماء, ومن بينهم مسلمين, يشعرون بأن جهدا كهذا, ينبع عن رغبة في إيجاد موضع للقرآن في التاريخ, سوف يغذي صحوة إسلامية من نوعٍ ما, أي إعادة امتلاك للتراث أو تقدّمٌ من خلال النظر إلى الوراء. إن هذا النوع من التفكير, والمحصور لحد الآن في نطاق الجدل العلمي, يمكن أن يكون مع ذلك قويا جدا, ويمكن أن يؤدي إلى تغيير اجتماعي عظيم . كما يتبين لنا من تاريخ عصر النهضة والإصلاح الديني. فبعد كل شيء, يعتبر القرآن النص الأكثر تأثيرا من الناحية الأيديولوجية.

النظر في القصاصات:
أول شخصٍ قام بتخصيص جزء غير بسيط من وقته في فحص القصاصات اليمنية كان جِرد آر پوين Gerd R Puin, وهو مختص بالخط العربي والكتابات القرآنية القديمة, يعمل في جامعة السارلاند Saarland في ساربروكن Saarbrücken في ألمانيا, تبيّن لپوين الذي كانت الحكومة الألمانية قد أرسلته لينظّم ويُشرف على مشروع الصيانة, قِدم بعضٍ من قصاصات الرق, وكشف تقصّيه الابتدائي أيضا عن ترتيب غير تقليدي للآيات, وتباينات نصيّة بسيطة, وأسلوب إملائي وتزويق فني نادرين. كان مما أثاره أيضا صفحات المصحف المكتوبة بالخط العربي الحجازي المبكّر والتي تعتبر من أقدم المصاحف القرآنية المعروف وجودها, كان هنالك أيضا رقوق ممسوحة ومعادة الكتابة عليها palimpsets صِيَغُ من الواضح أنها كتبت فوق صيغ أقدم كانت قد شُطِفت. يشعر پوين أن ما تقترحه المصاحف اليمنية على ما يبدو هو نص متطور الطبيعةِ بدلا من أن يكون ببساطة كلمة الله كما جاء الوحي بها للنبي محمد في القرن السابع الميلادي حصرا. 
منذ عام 1980 تم باجتهاد بسط وتنظيف ومعاملة وتصنيف وتجميع أكثر من 15000 صفحة من صفحات المصاحف القرآنية اليمانية. إنها الآن مستقرّة (أو "محفوظة لألف عام آخر," كما يقول پوين) في دار المخطوطات اليمانية, تنتظر فحصا مفصّلا. إلا أن هذا أمرٌ يبدو أن الحكومة اليمنية تتردد في السماح به. يشرح پوين السبب قائلا: "إنهم يرغبون في إبقاء هذا الأمر قريبا من الكتمان, كما نرغب نحن بذلك, بالرغم من أن كلا منا مدفوعٌ بأسبابه الخاصة." إنهم لا يرغبون في لفت الانتباه إلى حقيقة أن هنالك ألمان وآخرون من أمثالهم يعملون على مصاحف قرآنية. إنهم لا يرغبون في أن يعلنوا أن عن أن عملا ما يتمُّ على الإطلاق, وذلك لأن الموقف الإسلامي هو أي كل ما يجب أن يقال بشأن تاريخ القرآن قد قيل منذ ألف سنة خلت." 
لحد هذا اليوم لم يمنح الإذن بالاطلاع الشامل على القصاصات اليمانية إلا لمختصَين اثنين, هما پوين وزميله إتش سي گرات فون بۆثمَر Von Bothmer H. C. Graft وهو مؤرخٌ للفن الإسلامي في جامعة سارلاند أيضا. لقد قام پوين و فون بۆثمَر بنشر مقالات قليلة العدد ومختصرة بشكل يعذب المهتمَ وذلك في المنشورات التخصصية حول الذي اكتشفاه في القصاصات اليمانية. لقد كانا مترددين بشأن النشر وذلك من جهة لأنهما لحد وقتِ قريب كانا مهتمين بتصنيف القصاصات وترتيبها أكثر من انشغالهم بفحصها بشكل نظامي, ومن جهة أخرى لأنهما شعرا بأن السلطات اليمانية قد ترفض منحهما الإذن بالإطلاع ثانية إن هي أدركت تداعيات الاكتشاف المحتملة. إلا أن فون بوثمر أكمل في عام 1997 أخْذ أكثر من 35000 صورة ميكروفيلمية للقصاصات, وقد أعاد الصور إلى ألمانيا مؤخرا. يعني هذا أن فون بوثمر و پوين وعلماء آخرين سينالون أخيرا الفرصة للتمحيص في النصوص ولنشر مكتشفاتهم بحرية, توقّعٌ يثير حماسة پوين. وهو يقول: "إن لدى الكثير من المسلمين الاعتقاد بأن كل ما بين دفتي القرآن هو كلام الله بكل بساطة, إنهم يحبون اقتباس الأبحاث على النصوص والتي تبيّن أن الكتاب المقدّس له تأريخ وأنه لم ينزل من السماء مباشرة, إلا أن القرآن كان إلى حد وقتٍ قريبٍ خارج نطاق المناقشة. إن الطريقة الوحيدة لاختراق هذا الحاجز هو إثبات أن للقرآن تاريخا أيضا. وقصاصات صنعاء ستعيننا على فعل ذلك." 
ليس پوين وحده من يشعر بالحماسة. يقول أندرو ر پّن Andrew Rippin وهو أستاذ للدراسات الدينية في جامعة كالگاري Calgary والذي يعتبر في مقدّمة المختصين بالدراسات القرآنية اليوم: "إن قراءاتها المتباينة وتسلسل آياتها المتباين كلها مهمة جدا والكل متفقٌ على ذلك. تقول هذه المخطوطات أن التاريخ المبكّر للنص القرآني هي مسألة مفتوحة للأخذ والرد بشكلٍ أكبر مما توقعه البعض: لقد كان النص أقل ثباتا, ولذلك فقد كان ذو سلطة أقل مما يُدّعى دائما.

استنساخ كلام الله وتنقيحه
بمقاييس الدراسات الكتابية المعاصرة, تعتبر معظم الأسئلة التي يطرحها باحثون كپوين وَرپّن متواضعةً نوعا ما. خارج نطاق الإسلام لا يعتبر افتراض أن للقرآن تاريخا واقتراح أن من الممكن تفسيره بشكلٍ مجازي خطوة راديكالية. إلا أن من غير الممكن إهمال السياق الإسلامي والحساسيات الإسلامية. يقول آر ستيفن همفري R. Stephen Humphrey هو أستاذ للدراسات الإسلامية في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا: "إن افتراض وجود تاريخ للقرآن سيعني بشكل عملي تجريد التجربة التاريخية للمجتمع الإسلامي بأسرها من الشرعية, فالقرآن هو عقد المجتمع, وهو الوثيقة التي استدعته إلى الوجود. وقد كان التاريخ الإسلامي, من ناحية مثالية وليس واقعا بالطبع, عبارة عن جهدٍ مبذولٍ لاتّباع والعمل بتعاليم القرآن في الحياة البشرية. فإن كان القرآن وثيقة تاريخية فإن الصراع الإسلامي طوال أربعة عشر قرنا كان بلا معنى." إن النظرة الإسلامية التقليدية للقرآن باعتباره كلام الله الكامل والذي لا يضاهى في الرسالةِ المُتَضَمّنةِ واللغةِ والأسلوب والشكل شبيهةٌ بشكل كبير بفكرة المسيحيين الأصوليين عن "عصمة" الكتاب المقدس, و"الإلهام الحرفي به" وهي إشارات لا تزال شائعة الذكر في كثيرٍ من الأماكن اليوم. إن هذه الإشارة لم تُمنح صفة التعبير الكلاسيكي إلا قبل ما يزيد على قرن خلى بقليل وذلك من قبل الباحث الكتابي جون وليَم برگن John William Burgon. 
إن الكتاب المقدس ليس غير "صوت من يجلس على العرش!" كل سفرٍ من أسفاره. كل أصحاحٍ من أصحاحاته, كل عددٍ من أعداده, كل كلمة من كلماتهِ, كل مقطعٍ من مقاطعه....كل حرفٍ من حروفه, هو ما نطقه به الأعلى بشكلٍ مباشر!
لا يفكر جميع المسيحيين في الكتاب المقدس بنفس الطريقة, في الحقيقة تشير موسوعة الإسلام (طبعة 1981) إلى أن : "إن النظير الأقرب في المُعتقد المسيحي إلى دور القرآن في المعتقد الإسلامي هو ليس الكتاب المقدّس, بل المسيح." إن كان المسيح هو كلمة الله التي تجلت في الجسد, فإن القرآن هو كلمة الله تجلت في النص, والشك بقداسته أو سلطته يعتبر لذلك هجوما بحقٍ على الإسلام كما يعرف سلمان رشدي ذلك تماما.
إن إمكانية حدث رد فعل إسلامية لم تردع دراسة القرآن النقدية-التاريخية, كما تبيّن المقالات الموجودة في كتاب أصول القرآن (1998). لقد استمر البحث حتى بعد تداعيات قضية رشدي: في عام 1996 كتب الباحث القرآني گُنتر لولنگ Gübter Lüling في دورية النقد المتقدم The Journal of Higher Critisism عن "الدرجة الكبيرة التي تحرّف بها نص القرآن والرواية الإسلامية التي نعرفها عن أصول الإسلام, تشوّهٌ مقبولٌ بشكل لا يقبل الشك لحد الآن في أوساط المختصين الغربيين بالدراسات الإسلامية." في عام 1994 نشرت دورية دراسات أورشليم في العربية والإسلام journal Jerusalem Studies in Arabic and Islam دراسة نشرت بعد وفاة صاحبها ليهودا دي نيڤو من الجامعة العبرية في القدس, تصف بالتفاصيل نقوشا دينية من القرنين السابع والثامن على حجارة في صحراء النقب, والتي, كما اقترح دي نيڤو تفرض "إشكالات جدية على الرواية الإسلامية التقليدية عن تاريخ الإسلام." في نفس العام وفي نفس الدورية, نشرت پاتريشيا كرون , وهي مؤرخة للإسلام المبكر في معهد الدراسات المتقدمة في پرنستون في نيو جرسي, مقالة طرحت فيها أنه ليس من المحتمل التمكن من توضيح الفقرات المعضلة في النص القرآني إلا ب "التخلي عن الرواية التقليدية حول الطريقة التي وُصل بها القرآن." ومنذ 1991 اقترح جيمس بِلامي James Bellamy من جامعة مشيغان في دورية الجمعية الاستشراقية الأمريكية Journal of the American Oriental Society وجود سلسلة من "تعديلات على نص القرآن" تغييراتٌ من وجهة نظر إسلامية تَعدُل تنقيحا لكلام الله. 
كرون هي أحد أكثر هؤلاء الباحثين تحطيما لافتراضات السابقة. خلال سبعينات والقرن الماضي وثمانينياته قامت كرون بكتابة كتبٍ عدة والمشاركة في كتبٍ أخرى- كان أشدها عنفا "الهاجرية: صناعة العالم الإسلامي (1977)- والتي طرحت نظريات راديكالية حول أصول الإسلام وكتابة التاريخ الإسلامي. كان من بين ادعاءات الهاجرية المثيرة للجدل الاقتراحات بأن نص القرآن قد ظهر إلى الوجود في وقت متأخرٍ عما يُعتقدُ الآن ("لا يوجد أي دليل راسخ على وجود القرآن بأي صيغة قبل العقدين الأخيرين من القرن السابع"), وأن مكة لم تكن الحرم الإسلامي الأول ("يشير الدليل بشكل واضح إلى حرمٍ يقع في شمال غرب الجزيرة العربية...كانت مكة الثانية), وأن الفتوحات العربية سبقت تأسيس الإسلام ("التخيلات المسيّانية اليهودية أظهرت نفسها بهيئة فتح عربيٍ للأرض المقدسة), وأن فكرة الهجرة , أي هجرة محمد وأتباعه من مكة إلى المدينة في عام 622 ربما تكون قد تطورت بعد وفاة محمدٍ بفترة طويلة ("لا يعرّف أي مصدر من القرن السابع الفترة العربية كفترة تؤرّخ بالهجرة), وأن مصطلح مسلم لم يكن يستخدم بشكلٍ شائع في فترة فجر الإسلام ("لا يوجد لدينا سبب مقنع لافتراض أن حاملي هذه الهوية البدائية كانوا يعرفون أنفسهم بأنهم مسلمون إلا أن المصادر تكشف عن توصيف أقدم للمجتمع يظهر في المؤلفات اليونانية بصيغة "ماگاريتاي Magaritai" في بردية تعود إلى العام 642 وفي السريانية بصيغة "مَگري" أو "مَگرايي" في مصادر تبدأ بالظهور في أربعينيات القرن السابع.")
تعرض كتاب "الهاجريّة" إلى هجوم سريع ومباشر, من الباحثين المسلمين وغير المسلمين على حدٍ سواء, بسبب اعتماده الكبير على مصادر ذات طابع عدواني. ("كتب أحد الكتّاب يقول: "إن هذا الكتاب يستند إلى ما يجب أن يبدو لأي مسلمٍ تقديرا مفرطا لشهادات مصادر كافرة.") منذ ذلك الحين تراجع كرون وكوك عن بعض افتراضاتهما الراديكالية-مثل أن النبي محمد قد عاش عامين أكثر من ما يدّعي التقليد الإسلامي, وأن صحة وقوع الهجرة إلى المدينة هو أمرٌ مشكوك فيه- إلا أن كرون استمرت بتحدي وجهتي النظر الإسلامية والغربية التقليدية على حدٍ سواء في ما يتعلق بالتاريخ الإسلامي. ففي كتابها "التجارة المكيّة وظهور الإسلام Meccan Trade and the Rise of Islam" (1987) طرحت بشكل مفصّل وجهات نظر تتحدى وجهة النظر الشائعة بين الباحثين الغربيين (وبعض المسلمين) فتطرح أن الإسلام قد ظهر نتيجة لتجارة البهارات في الجزيرة العربية. إن وجهة نظر جيرد آر پوين حول تاريخ القرآن تشاطر إعادة النظر المعاصرة هذه. يقول پوين: "إن فكرتي هي أن القرآن هو مزيج من نوع ٍ ما من النصوص, نصوصٌ لم تكن مفهومة حتى في زمن محمد, والعديد منها قد تكون أقدم من الإسلام نفسه بمئات السنين. حتى ضمن التقاليد الإسلامية هنالك كم هائل من المعلومات المتناقضة, تتضمن طبقة تحتية مسيحية مهمة. إن المرء بإمكانه أن يشتق تاريخا إسلاميا مضادا كاملا منها إن شاء ذلك." 

تدافع پاتريشيا كرون عن أهداف هذا النوع من التفكير, "إن القرآن هو كتاب ديني له تاريخٌ كأي كتابٍ ديني آخر- في ما عدا أننا لا نعرف هذا التاريخ ونميل إلى إثارة ضجة من أصوات الاحتجاج إن قمنا بدراسته. لا يبالي أحد إن أتت الضجة من غربيين, إلا أن الغربيين يشعرون بتميز عندما تأتي الضجة من أناس آخرين: من أنتم حتى تتلاعبون بتراثهم؟ إلا أننا نحن المختصون بالدراسات الإسلامية لا نحاول أن نحطّم إيمان أي شخص."
لا يتفق الجميع مع هذا التقييم-خصوصا وأن مجال الدراسات القرآنية قد بدأ تقليديا في سياق عداوة معلنة بين المسيحية والإسلام. (بل أن الحركة الواسعة في الغرب خلال القرنين المنصرمين ل"تفسير" الشرق, والتي عادة ما يُشار إليها باسم الاستشراق, قد تعرضت لهجوم في السنوات الأخيرة بسبب إبدائها تحيّزا دينيا وثقافيا مشابها). لطالما بدا القرآن, للباحثين المسحيين واليهود بالخصوص, محاطا بهالة من الهرطقة. على سبيل المثال ادعى وليم موير William Muir, وهو مستشرق من القرن التاسع عشر, أن القرآن هو أحد "ألد أعداء الحضارة, والحرية, والحقيقة على مدى التاريخ" قام الباحثون السوڤيت بدراسة لأصول القرآن من منطلق أيديولوجي, وبحماسة تكاد أن تقرب من حماسة المبشرين. في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين أطلقت مطبوعة سوڤيتية تحمل اسم "الملحد" سلسلة من المقالات التي تفسّر ظهور الإسلام بمصطلحات ماركسية-لينينية. في كتاب "الإسلام وروسيا" (1956) لخّص كَي إس لامتُن K S Lambton الكثير من هذه الأبحاث, وكتب أن عدة باحثين سوڤيت قد افترضوا أن "القوة المحرّكة للديانة الناشئة كانت تغذيها الطبقة البرجوازية التجارية في مكة والمدينة", وأن أحد الباحثين الذي يحمل اسم إس پي تولستوڤ S P Tolstov اعتقد بأن "الإسلام كان حركة اجتماعية-دينية نشأت في مجتمعٍ عربي ٍمالكٍ للعبيد ولكن غير أقطاعي" وأن إن أي موروزڤ N A Morozov قد طرح فكرة أنه "حتى بدء الحملات الصليبية كان الإسلام غير متمايزٍ عن اليهودية و...عندها فقط نال خاصيته المستقلة, بينما كان محمدٌ والخلفاء الأولون شخصيات أسطورية." يبدو أن موروزوڤ كان بالذات باحثا مزخرفا للألفاظ فقد كتب لامبتون أنه طرح أيضا في كتابه "المسيح" (1930) أنه "في العصور الوسطى كان الإسلام مجرد مذهبٍ أريوسي حفزت على ظهوره حادثة نيزكية وقعت في البحر الأحمر قرب مكة." 
ليس من المفاجئ إذا, بالنظر إلى تحيز الكثير من الدراسات الغير إسلامية للقرآن, أن يميل المسلمون إلى غض النظر عنها بالمرة. لقد ظهر في عام 1987 احتجاج بليغ بهذا الخصوص, وذلك في "استعراض لكتب العالم الإسلامي Muslim World Book Review" في مقالة عنوانها "طريقة بحثِ ضد حقيقة: الاستشراق والدراسات القرآنية," كتبها الناقد المسلم پرويز منظور. واضعا أصول الدراسات القرآنية الغربية في "مستنقعاتِ جدلياتِ مسيحيةِ القرون الوسطى" وواصفا حالتها المعاصرة بأنها"نهاية طريق غير منفذ أدت إليه صناعتها." قام منظور بتنظيم هجومٍ متعدد المستويات على المقاربة الغربية للإسلام بأسرها. وافتتح مقالته بعنف قائلا:
"إن مشروع الدراسات القرآنية الاستشراقي, أيا كانت فضائله الأخرى وخدماته, كان مشروعا ولد نتيجة للازدراء, ونشأ في ظل اليأس, وتغذى بالنقمة: ازدراءُ ذي السلطة لمن لا سلطة له, ويأس العقلاني من المؤمن بالخرافات, ونقمة قويم العقيدة من المخالف. في أعظم ساعات انتصاره الدنيوي,شن الإنسان الغربي, بتنسيقٍ من سلطة الدولة والكنيسة والمؤسسة الأكاديمية, هجوما على قلعة الإيمان الإسلامي. كل الخطوط المنحرفة لشخصيتهِ المتكبرة-عقلانيتهُ الطائشة, حلمهُ بالسيطرة على العالم, وتخيلاتهُ الطائفية- اتحدت في مؤامرة قذرة لاقتلاع كتاب المسلمين المقدس من موقعه الثابت بإحكام كخلاصة للأصالة التاريخية والعصمة الأخلاقية من التهجمات. إن الجائزة العظمى التي رغب فيها الإنسان الغربي بمحاولته المتهورة كان عقل المسلم نفسه. لقد استنتج أنه لغرض تخليص الغرب من "مشكلة" الإسلام, يجب أن ييأس الضمير المسلم من التأكد الفكري من الرسالة الإلهية الموحى بها للنبي. فوحده المسلم المرتاب بالأصالة التاريخية أو الاستقلال العقائدي للمواد القرآنية الموحى بها سوف يتخلى عن مهمته العالمية فلا يشكل تحديا للسيطرة الغربية على العالم. يبدو أن هذا كان, على الأقل, السبب المبطن للهجوم الاستشراقي على القرآن, إن لم يكن السبب المعلن,."
بالرغم من مقاومات مثل هذه, تابع باحثون غربيون بميول أكاديمية ودينية مختلفة مهمتهم, مستخدمين تقنيات حديثة في نقد النصوص والنقد التاريخي لغرض دراسة القرآن. إن الدليل على وجود كمٍ هائل من هذه الدراسات هو قرار المؤسسة الأوربية "ناشرو برِل Brill Publishers "- وهي دار نشرٍ ذات باع طويل في إصدار أعمال مهمة ك"موسوعة الإسلام" و"طبعة دراسة قراطيس البحر الميت"-التفويض بطباعة أول موسوعة على الإطلاق تحمل اسم "موسوعة القرآن Encyclopaedia of the Qur'an". تأمل جَين مك أولف Jane McAuliffe , وهي أستاذة في الدراسات الإسلامية في جامعة تورونتو , ورئيسة تحرير الموسوعة, أنها ستعمل ك "نظير تقريبا" للموسوعات التي تتناول الكتاب المقدّس وأنها ستكون " عملا جامعا للدراسات القرآنية يظهر في منعطف الألفية." إن المقالات التي تخصّ الجزء الأول من الموسوعة تنقّح حاليا وتهيأ لغرض النشر في نهاية هذا العام (1999 . المترجم) 
سوف تكون موسوعة القرآن بحقٍ مشروعا تعاونيا, يقوم به مسلمون وغير مسلمين, وستمثّل مقالاته مقاربات متعددة لتفسير القرآن, ومن المحتمل أن تتحدى بعضها وجهات النظر الإسلامية فتربك العديدين في العالم الإسلامي, حيث الوقت لا يعتبر ملائما لدراسة تعيد النظر في القرآن. إن ورطة ناصر أبو زيد وهو أستاذ مصري متواضع في العربية وأحد أعضاء المجلس الاستشاري للموسوعة, تبين الصعوبات التي تواجه الباحثين المسلمين في محاولتهم لإعادة تفسير تقاليدهم. 
يقول أبو زيد أن "القرآن هو نص أدبي, والطريقة الوحيدة لفهمه وشرحه وتحليله هي عبر مقاربة أدبية, إن هذه مسألة دينية أساسية." بسبب التعبير عن وجهة نظره هذه ونشرها – وبالأخص لتحديه لفكرة أن القرآن يجب أن يُقرأ حرفيا باعتباره كلام الله المطلق والأزلي- اعتُبر أبو زيد في عام 1995 مرتدا بشكلٍ رسمي, وهو حكم أقرّته في عام 1996 المحكمة العليا في مصر. ثم أن المحكمة استمرت فحكمت على أبي زيد بأن يطلّق زوجه ابتهال يونس, على أساس أن الشريعة الإسلامية تمنع استمرار زواج مرتد بمسلمة, وهو حكمٌ صدم يونس السعيدة في زواجها فوصفته آنذاك بأنه حكمٌ ك"ضربة على الرأس بطوبة." 
أصر أبو زيد بثبات على أنه مسلمٌ تقي, إلا أنه يجادل في أن محتوى القرآن الظاهر, كالشرائع العتيقة المتعلقة بطريقة معاملة النساء والتي اشتهر بها الإسلام على سبيل المثال, أقل أهمية من محتواه الباطن المعقّد والمتجدد والمغذي روحيا. إن وجهة النظر الإسلامية السنيّة, كما يدعي أبو زيد, سخيفة, إنها تُخضع نصا إلهيا, أزليا, وحركيا لتفسير إنساني ثابت لا حياة فيه ولا معنى أكثر من كونه " طلّسم أو حلية" 
بقي أبو زيد في مصر لفترة رغبة في نفي تهمة الردة التي وجهت ضده, إلا أنه هرب برفقة زوجه من القاهرة إلى هولندة, وذلك في مواجهة تهديدات بالقتل ومضايقاتٍ شعبية قاسية, مُطلِقا على القضية بأسرها صفة "مسرحية كوميدية مروعة" . كان الشيخ يوسف البدري, الفقيه الذي ألهمت مواعظه الاعتراضات على أبي زيد جذلا وقال:" إننا لسنا إرهابيين, ولا نستخدم رصاصا أو رشاشات, إلا أننا منعنا عدوا للإسلام من أن يسخر من ديننا...سوف لن يجرؤ أحد على أن يُفكّر في المساس بالإسلام ثانية." 
يبدو أن أبا زيد كان محقا في الخوف على حياته والهرب, ففي عام 1992 اغتيل الصحفي المصري فرج فودة من قبل إسلامي بسبب كتاباته الناقدة لجماعة الإخوان المسلمين المصرية, وفي عام 1994 طُعِن الروائي المصري الفائز بجائزة نوبل نجيب محفوظ لتأليفه, من بين أعمال أخرى, رواية أولاد حارتنا (1959) المجازيةl, وهي رواية صيغت على شكل القرآن, وتقدم مفاهيم "مبتدعة" عن الله والنبي محمد. 
يقول الجزائري محمد أركون وهو حاصل على درجة أستاذية أمريكية professor emeritusويعمل في جامعة باريس: أن "الشذوذ عن الأسلوب التقليدي في تفسير القرآن عملٌ حساسٌ بشكلٍ شديد" وذو تبعات خطيرة "فملايين وملايين من الشعوب تلجأ إلى القرآن يوميا لتفسّر تصرّفاها وتبرر آمالها," ويردف أركون: "إن هذه الدرجة من الإيمان بمرجعية القرآن هي أعلى من أي وقت مضى."

محمدٌ في الغار
تقع مكة في وادٍ قاحل بين سلسلتين من التلال المنحدرة في غرب ما يسمى اليوم بالمملكة العربية السعودية. إلى غربها مباشرة يقع ساحل البحر الأحمر المنبسط والشديد الحرارة, إلى الشرق يمتد الربع الخالي العظيم, وهو أكبر كتلة من الرمال على هذا سطح هذا الكوكب. إن موقع البلدة غير ملائم للسكنى, فالأرض هنالك جافة ومغبرة وحارقة تحت شمس لا ترحم . تلفح المنطقةَ بأسرها رياح الصحراء الحارة والعاتية وبالرغم من أن المطر قد لا يسقط لسنوات, إلا أنه قد يكون غزيرا عند مجيئه, جالبا معه سيولا من المياه المتدفقة من بين التلال فتُغرق المنخفض الذي تقع فيه المدينة. إن هذه المنطقة ملائمة كل الملائمة لأن تكون منزلا للوحي الإلهي ملائمةَ جبال سيناء أو برية اليهودية. 
في السنوات التي سبقت ظهور الإسلام, كانت مكة حرما وثنيا محليا قديما بشكلٍ ملحوظ. كانت الطقوس الدينية تدور حول الكعبة, وهي مزار لا يزال مركزيا في الإسلام إلى اليوم, و يعتقد المسلمون أنها بٌنيت في الأصل من قبل إبراهيم (والمعروف لدى المسيحيين اليهود باسم أبراهام-كذا-) وابنه إسماعيل. ومع ازدهار مكة المضطرد في القرن السادس الميلادي, تضاعف عدد الأصنام الوثنية من مختلف الأحجام والأشكال. تقول الرواية التقليدية لأنه مع بداية القرن السابع كان يحيط بالكعبة مجموعة من الآلهة تتكون من 360 تمثالا وإيقونة مختلفة (وُجد بداخلها صورة تمثل يسوع ومريم العذراء بين أوثانٍ أخرى). 
كانت هذه هي الخلفية التي, في عام 612, تنزل الوحي فيها بأول حلقة من حلقات القرآن, كما يُقال, على تاجر غني ولكنه مستاء اسمه محمد بن عبد الله. طوّر محمدٌ عادة الاعتزال عن رجاسة مكة الوثنية إلى غار جبلٍ قريب, كان يتأمل فيه لوحده. في إحدى حالات العزلة هذه زاره الملاك جبرائيل, نفس الملاك الذي كان قد أعلن مجيء يسوع لمريم العذراء في الناصرة قبل ذلك ب600 عام, مفتتحا كلامه بالأمر "إقرأ!" أعلم جبرائيل محمد أنه سيكون رسولا لله . في ما بعد, وحتى وفاته, تلقى محمد الذي من المفترض أنه أميٌّ عن طريق جبرائيلَ الوحيَ الإلهيَ بلغةٍ عربيةٍ عُرِف بالقرآنِ (أي التلاوة) فأعلن هذا, بأسلوب شعري وبلاغي شديد في البداية, ظهور فرعٍ جديد لا يلين من فروع التوحيد اسمه الإسلام (أي الخضوع لمشيئة الله). نقل محمدٌ الآيات الموحى بها لأفراد عائلته وأصدقائه المتعاطفين, الذين إما أنهم حفظوها أو أنهم كتبوها. 
سرعان ما بدأ المكيون الأقوياء باضطهاد محمد والعصبة الصغيرة من أتباعه المخلصين, الذين رفضت عقيدتهم الجديدة محور الثقافة والحياة الاقتصادية المكية الوثني, فهاجرت الجماعة في عام 622, نتيجة لذلك, قاطعة مسافة 200 ميلٍ شمالا إلى بلدة يثرب, والتي أصبحت تعرف لاحقا باسم المدينة (وهو مختصر ل"مدينة النبي"). تعتبر هذه الهجرة, كما تسمى في الإسلام, نقطة ولادة المجتمع الإسلامي المستقل, وهكذا يعتبر عام 622 أول أعوام التقويم الإسلامي. في المدينة, استمر محمد بتلقي الوحي الإلهي, الذي امتاز بطبيعة عمليّة ونثرية تزداد باضطراد, وفي عام 630 كان قد نال من المجتمع المدني ما يكفي من الدعم لمهاجمة مكة وفتحها. لقد أمضى محمدٌ العامين الأخيرين من حياته في نشر دينه, وتقوية نفوذه السياسي, والاستمرار في تلقي الوحي. 
يذكر التقليد الإسلامي أن محمدا قد توفي عام 632, لم تكن الآيات القرآنية قد جُمِِعت في مصحفِ واحد, لقد كانت مدونة فقط "على سعف التخيل والحجارة المسطحة وفي قلوب الرجال." (ليس هذا أمرا مفاجئا فالتقليد الشفهي كان قويا ومؤسَسَا بإحكام, وقد كان الغرض الأساسي من الخط العربي, الذي كان يُكتب بلا تشكيل لبيان أصوات العلة ولا تنقيط لبيان الأصوات الساكنة كما هو الحال اليوم, المساعدة على الحفظ). كما لم يكن تأسيس مصحفٍ كهذا أمرا ذو أهمية قصوى, فالعرب المدنيون- الذين كانوا ائتلافا غير متجانسٍ من التجار السابقين وبدو الصحراء والمزارعين الموحَدين في عقيدة دينية قوية والمُلهمين بحياة النبي محمدٍ وأقواله- كانوا في ذلك الوقت منشغلين بسلسلة من الفتوحات العالمية الناجحة بشكلٍ مذهل باسم الإسلام. مع حلول أربعينيات القرن السابع كان العرب قد استحوذوا على الجزء الأكبر من الشام والعراق وبلاد فارس ومصر, وكانوا بعد ذلك بثلاثين عاما منشغلين بالاستيلاء على أجزاء من أوربا وشمال أفريقية وآسيا الوسطى. 
في العقود الأولى للفتوحات العربية قُتِل العديد من جماعة محمد, وانتهى معهم كم قيّمٌ من المعرفة بالوحي القرآني.بدأ المسلمون في أطراف الإمبراطورية بالجدل حول ما كان وحيا قرآنيا وما لم يكن. عبّر قائدُ جيشٍ قادمٌُ من أذربيجان عن مخاوفه بشأن ظهور خلافات مذهبية للخليفة عثمان (644-656), وهو ثالث الخلفاء الذين جاءوا بعد محمد, ويُقال أنه توسل له أن "يدرك قومه قبل أن يختلفوا على القرآن اختلاف اليهود والنصارى على كتبهم." فجمع عثمان لجنة تحريرية من نوعٍ ما قامت بجمع أجزاء النص الديني المختلفة والتي كانت محفوظة عن ظهر قلبٍ أو مدوّنة من قبل صحابة محمد. كانت النتيجة نسخة رسمية مكتوبة من القرآن. أمر عثمان بإتلاف جميع المجموعات الناقصة و"غير الكاملة" من الآيات القرآنية, وتم توزيع النسخة الجديدة إلى المدن الرئيسية في الإمبراطورية المتنامية بشكلٍ سريعٍ. 

خلال القرون القليلة اللاحقة, وبينما ترسّخ الإسلام كمؤسسة دينية وسياسية , ظهر إلى الوجود كمٌ هائلٌ من الأدب التفسيري والتاريخي كان الهدف منه تفسير القرآن وظهور الإسلام, وكانت أهم عناصره الحديث أي الأقوال والأفعال المقولة عن النبي محمد, والسنة أي مجموعة التقاليد الاجتماعية والشرعية الإسلامية, وأدب السيرة, أي سيرُ حياة النبي, والتفسير أي التعليقات على القرآن وشرحه. من هذه المصادر التقليدية-التي تم وضعها بشكلٍ مكتوبٍ ابتداءا من منتصف القرن الثامن وحتى منتصف القرن العاشر- تم , في النهاية, اقتباس جميع الروايات التي تتحدث عن الوحي بالقرآن وسنوات الإسلام الأولى."

لقومِ يعقلون:
يقسّم القرآن, الذي يكاد أن يعدل العهد الجديد في الحجم, إلى 114 قسما, كل منها يسمى سورة, وكل سورة تختلف بشكل كبير في الطول والصيغة. إن مبدأ تنظيم الكتاب ليس متعلقا بزمن النزول ولا بفحوى السورة, لأن معظم السور مرتبة, من بداية القرآن إلى نهايته, اعتمادا على تسلسل طولها. وبالرغم من هذه الهيكلية غير المعتادة, إلا أن ما يفاجئ المطلعين لأول مرة على القرآن عموما هو مدى اعتماده على نفس المعتقدات والقصص التي تظهر في الكتاب المقدس. إن الله يحكم بلا منازع, وهو الكائن كلي السلطة, وكلي المعرفة, وكلي الرحمة الذي خلق العالم ومخلوقاته, إنه يُرسل رسائل وشرائع عبر الأنبياء ليساعد في هدي البشرية, وفي وقتٍ ما في المستقبل لا يعرفه إلا هو, سيأتي بنهاية العالم ويوم الحساب. آدمُ الإنسان الأول يُطرد من الفردوس لأكله من الشجرة المحرمة. ويبني نوحُ فلكا ليخلّص صفوة من الناس من طوفان أرسله غضب الله. يستعد إبراهيم للتضحية بابنه بأمرٍ من الله. يقود موسى الإسرائيليين إلى خارج مصر ويتلقّى الوحي في جبل سيناء. يولد يسوع لمريم العذراء ويُشار له باسم المسيح, فيقوم بمعجزات, ويكون له تلاميذ, ويصعد إلى السماء.
يهتم القرآن بالتأكيد على هذا التراث التوحيدي المشترك, إلا أنه يهتم بشكل مساوٍ بتمييز الإسلام عن اليهودية والمسيحية. فهو, على سبيل المثال, يذكر أسماء أنبياء كهود وصالح وشعيب ولقمان وآخرين, تبدو أصولهم عربية بحتة, وهو يذكر القراء بأنه "قرآنٌ عربي لقومٍ يعقلون." بالرغم من تأكيده, إلا أن القرآن على العكس, عادة ما يكون عسير الفهم للقراء المعاصرين, حتى واسعي الثقافة من الناطقين بالعربية منهم, فهو يقوم أحيانا بتغييرات دراماتيكية في الأسلوب والتوجه بالخطاب والموضوع الذي يتناوله بين آية وأخرى, وهو يفترض اطلاعا مسبقا على اللغة والقصص والأحداث, اطلاعٌ يبدو أنه مفقودٌ حتى عند أقدم المفسّرين المسلمين (وهو شيء طبيعي في نصٍ تطور في البداية عبر تقليدٍ شفهي). إن من السهل إيجاد تناقضاته الظاهرية: فبالإمكان الإشارة إلى الله بصيغة المتكلِم أو بصيغة الغائب في العبارة نفسها, تُكرر صيغٌ مختلفة من القصة نفسها في أماكن مختلفة من النص, تُناقض الأحكامُ الإلهية بعضها بعضا. في الحالة الأخيرة استبق القرآن النقد ودافع عن نفسه بالتأكيد على حقه في نسخ رسالته (ينسخ الله ما يشاء ويُثبت).

إلا أن النقد جاء بالفعل. فمع الازدياد في احتكاك المسلمين بالمسيحيين خلال القرن الثامن, رافقت حروب الفتح جدالات دينية, أولع فيها المسيحيون وآخرون إلى وضع القرآن الأدبي المربك كدليل على مصدره الإنساني. كان العلماء الملمون أنفسهم يفهرسون بشكل دقيق لنواحي المشكلة في لقرآن, كالمفردات غير المعتادة, والآيات التي يبدو أنها رفعت من النص, والأخطاء النحوية والقراءات المختلفة, وهكذا. لقد ظهر أعظم خلاف ديني في الإسلام في نهاية القرن الثامن, محرضا ألئك الذين يؤمنون بأن القرآن هو كلام الله "غير المخلوق" والأبدي ضد من يؤمن بأنه خُلق في زمن ما, مثل كل شيء عدا الله نفسه. تحت حكم الخليفة المأمون (833-813) أصبحت وجهة النظر الأخيرة هذه العقيدة القويمة. ودعمتها عدة مدارس فكرية, من بينها مدرسة مؤثرة تعرف بالاعتزال, الذي طور فقهاء معقدا يعتمد على فهمٍ مجازي للقرآن لا فهمٍ حرفي ببساطة.
مع نهاية القرن العاشر تضاءل تأثير مدرسة الاعتزال, وذلك لأسباب سياسية معقدة, وأصبحت العقيدة الرسمية هي الإعجاز , أي إعجاز القرآن واستحالة الإتيان بمثله (نتيجة لذلك, لم يُترجم القرآن من قبل المسلمين للمسلمين من غير الناطقين بالعربية. فهو بدلا من ذلك يٌقرأ ويُتلى باللغة الأصلية من قِبل المسلمين في أرجاء العالم, والذين لا يتكلم معظمهم اللغة العربية. إن الترجمات الحالية لا تُعتبر أكثر من مساعدات على فهم النص الديني وهوامش.) إن تبني عقيدة الأعجاز كان نقطة انقلابٍ في التاريخ الإسلامي, ومنذ القرن العاشر وإلى هذا اليوم بقي ثابتا فهم المسلمين للقرآن بأنه كلام الله الحرفي وغير المخلوق.

تخريبٌ سوداوي:
يتكلم جيرد آر پوين بازدراء عن الاستعداد التقليدي للباحثين المسلمين والغربيين على حد سواء للموافقة على الفهم المعتاد للقرآن. يقول پوين: "إن القرآن يدعي أنه مُبين أي واضح. إلا أنك إن نظرت إليه, فإنك ستلاحظ أن كل عبارةٍ خامسةٍ من عباراتهِ أو ما شابه ليس لها معنى. بالطبع, سيقول لك العديد من المسلمين, بل ومن المستشرقين, غير ذلك, إلا أن الحقيقة بكل بساطة هي أن خُمس القرآن لا يُمكن استيعابه. هذا هو السبب وراء القلق من الترجمة. إن كان القرآن لا يُمكن استيعابه, ولا يمكن فهمه حتى بالعربية, فهو غير قابلٍ للترجمة. إن الناس تخشى ذلك. وبما أن القرآن يدعي مرارا أنه مبينٌ وهو ليس كذلك بكل وضوح, كما سيقول لك حتى الناطقون بالعربية, فإن هنالك تناقض ما. لا بد من أن هنالك أمرا آخر يحدث." 
إن محاولات معرفةِ هذا ال"الأمر الآخر" لم تبدأ حقيقة إلا في هذا القرن. تقول پاتريشيا كرون, وهي مؤرخة للإسلام المبكر: "حتى وقتٍ قريب, ضمن الجميع أن كل ما يدّعي المسلمون أنهم يتذكرونه عن أصل القرآن ومعناه صحيحٌ. إن أنك تخليت عن هذا الافتراض, فإن عليك أن تبدأ من جديد." إن هذا ليس عملا بسيطا, بالطبع, فالقرآن قد أتى إلينا ملفوفا بإحكام بتقاليد تاريخية عصية جدا على النقد والتحليل. كما تقول كرون في كتابها "عبيدٌ على خيول."
إن منقحي الكتاب المقدس يقدمون لنا أجزاء من التقليد الإسرائيلي في مراحل مختلف من التبلور, وهكذا من الممكن أن تُقارن قيمة شهاداتهم بنجاحٍ. إلا أن التقليد الإسلامي كان نتاجا لا لعملية تبلورٍ بطيئة, بل لانفجار. لم يكن المُصنفون الأولون منقحين بل جامعين لبقايا وأعمالهم خالية من وحدة الفكرة العامة بشكل يثير الصدمة, فلا يمكن لمقارنتها أن تضيء الدرب لنا بأي حال. ولا عجب من ذلك, إن لاحظنا الطبيعة الانفجارية للإسلام المبكر والفترة الزمنية التي مرت بين تاريخ ولادة هذه العقيدة وأول توثيق نظامي لتأريخها. كان عالم محمدٍ وعالم المؤرخين الذين كتبوا عنه لاحقا مختلفَين تماما.خلال أول قرن للإسلام أصبحت عصبة من رجال القبائل الصحراوية الوثنية المحلية حماةً لإمبراطورية عالمية شاسعة من التوحيد المؤسساتي, امبراطوريةٌ تعج بنشاط أدبي وعلمي لم يسبق له مثيل. يفترض العديد من المؤرخين المعاصرين أن من غير الممكن توقع أن تبقى رواية الإسلام عن بدايته-وبالأخص إن أخذنا بالاعتبار التقليد الشفهي للقرون المبكّرة- على حالها متماسكةَ متجاوزةً بذلك هذا التحوّل الاجتماعي. ولا يمكن توقع أن يُهمل مؤرخ مسلم يكتب خلال القرن التاسع أو العاشر في العراق هذه الخلفية الاجتماعية والفكرية (والعقائد الدينية الراسخة) فيتمكن بدقةٍ من وصف محتوىً خلفيتهِ في الجزيرة العربية في القرن السابع. لخّص آر ستيفن هَمفري R Stephen Humphrey في كتابه التأريخ الإسلامي: هيكليةٌ لأجل القيام بالتحريات (1988) Islamic History: A Framework for Inquiry, باختصارٍ الأمور التي يواجهها المؤرخون في دراستهم للإسلام المبكر. 
"إن كان دورنا هو استيعاب الطريقة التي فهم بها مسلمو نهاية القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي والثالث الهجري التاسع الميلادي أصول مجتمعهم, فإننا بعيدون عن ذلك حقا. إلا أنه إن كان غرضنا معرفة "ما الذي حدث حقيقة," من خلال أجوبة موثقة بشكلٍ يُعتمدُ عليه للأسئلة المعاصرة عن العقود الأولى للمجتمع الإسلامي, فإننا في مشكلة. 

إن الشخص الذي عرّض الدراسات القرآنية لهزة أكثر من أي شخص آخر في العقود القليلة الماضية هو جون وانزبرو John Wansbrough, الباحث في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن University of London's School of Oriental and African Studies . إن پوين يقوم ب"إعادة قراءة لأعماله الآن" استعدادا لتحليل القصاصات اليمانية. تقول پاتريشيا كرون Patricia Crone أنها ومايكل كوك Michael Cook:"لم يقولا الكثير عن القرآن في كتابهما "الهاجرية" الذي لم يكن يعتمد على وانزبرو." نجد باحثين آخرين أقل إعجابا (بطرح وانزبرو) ويصفون عَمَلَ وانزبرو بال"معاند بشكل متطرف","معتمٌُ بشدة" و"خداع هائلُ للذات." ولكن سواء أعجبهم أم لم يعجبهم, يجب على كل من يخوض في غمار دراسة القرآن اليوم أن ينافس عملي وانزبرو الأكثر أهمية : دراساتٌ قرآنية: مصادر وطرقٌ لتفسير النص الديني (1977) Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation والوسط الطائفي: محتوى وتأليف تأريخ الخلاص الإسلامي (1978) The Sectarian Milieu: Content and Composition of Islamic Salvation History.
أخضع وانزبرو القرآنَ لترسانةٍ كاملةٍ مما سماه "أدوات وتقنيات" نقدِ الكتابِ المقدّس-أي نقد الصيغة, نقد المصادر, نقد التأليف, والكثير غير ذلك." لقد استنتج أن القرآن قد تطوّر بالتدريج خلال القرنين السابع والثامن, خلال فترة طويلة من التناقل الشفهي كانت الطوائف المسيحية واليهودية أثنائها لا تكف عن الجدل في ما بينها وذلك في منطقة تقع إلى الشمال من مكة والمدينة, في ما هي الآن أجزاء من سوريا والأردن وإسرائيل والعراق. لقد استنتج وانزبرو أن السبب وراء عدم وصول أي مصدرٍ إسلامي من القرن الأول أو ما شابه, يعود إلى أن مثل هذا المصدر لم يُوجد إطلاقا. 
بالنسبة لوانزبرو يعتبر التقليد الإسلامي مثالا لما يُعرف لعلماء الكتاب المقدّس ب"تاريخ الخلاص": قصة تحركها دوافع دينية ودعوية لبيان أصول الديانة, يَتُمُ اختراعها في وقتٍ متأخرٍ وتُنسَبُ إلى زمن قد مضى. بتعبيرٍ آخر, كما يقول وانزبرو في كتابه "دراساتٌ قرآنية," تضمنت عملية منح القرآن وَضعَهُ كمرجعٍ مكتملٍ والتقليد الإسلامي الذي ظهر لتفسيره مساهمات عدة مجموعات, عادة ما تكون متداخلة, من الأحاديث الشريفةlogia (تُبدي بصمةً موسويةً مميزة) لصورة نبيٍّ من أنبياء الكتاب المقدس (محوّرة من خلال مواد دعوية محمدية لتشكّل صورة "رجل الله" العربي) مع رسالة خلاصٍ تقليدية (محوّرة بتأثير من اليهودية الربينية 
لتشكل صورة كلمة الله المباشرة و, في آخر الأمر, المعصومة منمن التحريف)
لقد انتشرت نظريات وانزبرو الملغزة في أوساط بحثية معينة, إلا أن العديد من المسلمين وجدوها, بشكلٍ نفهمه, مهينة بشكلٍ عميق. وصف پرويز منظور, على سبيل المثال, دراسات وانزبرو القرآنية ودراسات الآخرين ب"استعراض خطابي وقح للقوة" و"فورة تخريب سوداوي" لكن حتى منظور نفسه لا يقترح هجر المشروع النقدي للدراسات القرآنية, وهو بدلا عن ذلك يحث المسلمين على التغلب على أهل فكرة إعادة النظر من الغربيين في" ساحة قتالٍ معرفية," معترفا أنه "على المسلمين أن يُقاربوا القرآن انطلاقا من فرضيّات طرائقية ومعايير تتنافر بحدة مع تلك التي نُقدسها ضمن تراثنا."

فكرة إعادة النظر في داخل العالم الإسلامي:
حقا, لأكثر من قرن كان هنالك في العالم الإسلامي شخصياتٌ عامة حاولت القيام بدراسة تعيد النظر في القرآن والتاريخ الإسلامي, فالأستاذ المصري المنفي ناصر أبو زيد ليس فريدا. ربما كان سلف أبي زيد الأشهر هو وزير الدولة المصري وأستاذ الجامعة والكاتب المرموق طه حسين. كرّس حُسين, وهو معتدل ملتزم, نفسه في عشرينات القرن العشرين لدراسة الشعر العربي الجاهلي فخلص بأن الكثير من هذا الكم من الأعمال قد تم تلفيقه بعد تأسيس الإسلام لغرض تقديم سندٍ خارجي لمجموعة الأساطير القرآنية. من بين النماذج الأكثر معاصرة الصحفي والدبلوماسي الإيراني علي دشتي, الذي وبخ في كتابه "اثنان وعشرون عاما: دراسة في حياةٍ محمد كنبي (1985)" على عدم التشكيك في الرواية التقليدية عن حياة محمد, والتي وصف جزءا كبيرا منها بأنها" صناعة أسطورة و متاجرة بأسطورة."
يَعتبرُ أبو زيد الشخصية المؤثرة بعمق محمد عبده سلفا له أيضا. لقد رأى الأب الروحي للتجديد المصري في نظريات معتزلة القرن التاسع مصدرا محتملا لفقه ديني إسلامي جديد. نالت أفكار المعتزلة شعبية في الأوساط الإسلامية في فترة مبكرة من هذا القرن (مما أدى إلى أن يشير الكاتب والمثقف المصري المهم أحمد أمين في عام 1936 إلى أن "نهاية الاعتزال كان أكبر مصيبة حلت بالمسلمين, لقد ارتكبوا جريمة بحق أنفسهم".)لقد حمل العالم الديني الباكستاني الراحل فضل الرحمن شعلة الاعتزال إلى عصرنا الحالي, لقد أمضى آخر أيام حياته, بين عامي 1960و1699, في الولايات المتحدة قاطنا ومدرّسا, حيث درّب العديد من دارسي الإسلام-من المسلمين ومن غير المسلمين- على التراث الاعتزالي. إلا أن مثل هذه الأعمال لم تأت بدون كلفة: فأعلِن طه حسين, كناصر أبو زيد, مرتدا في مصر, ومات علي دشتي بصورة غامضة بعد الثورة الإيرانية في عام 1979 بقليل, وأٌجبر فضل الرحمن على مغادرة باكستان في عام 1960. على المسلمين المهتمين بتحدي العقائد التقليدية أن يأخذوا الحيطة. قال أبو زيد عن العدوانية الإسلامية المتفشية تجاه إعادة تفسير القرآن لأجل زمننا المعاصر هذا: "أرغب في أخرج القرآن من هذا السجن, حتى يُصبِح مؤثرا ثانية في تشكيل روح ثقافتنا والفنون التي يخنقها مجتمعنا." بالرغم من وجود عدد كبير من الأعداء له في مصر, إلا أن أبا زيد ربما يكون على طريق النجاح لتحقيق هدفه : هنالك دلائل على أن أعماله تُقرأ بشكلٍ واسع, ولو بصمت, وباهتمام في العالم العربي. يقول أبو زيد, على سبيل المثال, أن كتابه "مفهوم النص" (1990), وهو الكتاب الذي تسبب في نفيه من مصر, قد خضع لما لا يقل عن ثمانية عملية إعادة طبعٍ سرية في مصر وبيروت. 

محمد أركون. الأستاذ الجزائري في جامعة باريس, هو باحثٌ آخر له كثير من القراء, وهو ملتزمٌ بإعادة فحص القرآن. يطرح أركون في Lectures du Coran (1982), على سبيل المثال أنه "حان الوقت لأن يتقبل الإسلام , حاله حال جميع التقاليد الثقافية العظمى الأخرى, المخاطر المعاصرة للمعرفة العلمية ," ويقترح أن "مشكلة أصالة القرآن الإلهية يُمكن أن تقوم بإعادة تنشيط للفكر الإسلامي وتُدخله في الجدالات الكبرى لعصرنا الحالي." يأسف أركون لكون معظم المسلمين غير مدركين أنه يوجد مفهومٌ مختلفٌ للقرآن ضمن تراثهم التاريخي. يعتقد أركون وآخرون أن ما تقدمه إعادة فحص للتاريخ الإسلامي للمسلمين هو فرصةٌ لتحدي العقيدة الإسلامية القويمة من الداخل بدلا من الاعتماد على مصادر "عدوانية." يأمل أركون وأبو زيد وآخرون أن هذا التحدي قد يؤدي في النهاية إلى ما لا يقل عن نهضة إسلامية. 
إن الفجوة بين النظريات الأكاديمية والممارسة اليومية للإسلام حول العالم واسعة بالطبع, فمعظم المسلمين اليوم غير مستعدين للتشكيك بمفهومهم التقليدي القويم للقرآن والتاريخ الإسلامي. إلا أن السبب وراء غدو الإسلام أحد أديان العالم العظمى هو انفتاحه على التغيرات الاجتماعية والأفكار الجديدة. (فقبل قرون, عندما كانت أوربا تغوص في مستنقع عصورها الإقطاعية المظلمة, افتتح حكماء حضارةٍ إسلاميةٍ مزدهرة عصرا من المكتشفات العلمية والفلسفية العظيمة. وربما لم تكن أفكار اليونانيين والرومان القدامى لتدخل أوربا لولا المؤرخين والفلاسفة المسلمين الذين أعادوا اكتشافها وبعثوا فيها الحياة) إن تاريخ الإسلام نفسه يُظهر أن مفهوم القرآن الشائع ليس هو وحده الذي وُجد على مر التاريخ, كما أن تاريخ الأبحاث في الكتاب المقدس تظهر أن ليس جميع الدراسات التاريخية النقدية للأسفار المقدسة ذاتُ طبيعة معادية. إن بإمكانهم , كما يقول محمد أركون, أن يزيلوا الغموض عن النص (القرآني) ويعيدون, في نفس الوقت, إثبات "أهمية بديهته الأشمل"
من المحتّم أن يتم افتراض تفسيرات متنوعة بازديادٍ للقرآن والتاريخ الإسلامي خلال العقود القادمة, وذلك مع استمرار انحلال التمايزات الثقافية التقليدية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب, ومع استمرار نمو سكان العالم الإسلامي, ومع استمرار التمحيص في المصادر التاريخية, ومع مواجهة حركة المساواة بين الجنسين للقرآن. برفقة تنوع التفسيرات ستأتي بكل تأكيد مزيد من المشاكسات, ربما تزداد حدة إن أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة أن الإسلام الآن موجود ضمن أنواع شتى من الخلفيات الاجتماعية والثقافية كالبوسنة,و إيران, وماليزيا, ونيجيريا, والمملكة العربية السعودية, وجنوب أفريقيا, والولايات المتحدة, وغيرها. إن أي شخصٍ يرغب الآن في فهم الشؤون العالمية سوف يحتاج إلى فهم الحضارة الإسلامية, بكل تعديلاتها أكثر من أي وقتٍ مضى, إن أفضل طريقة لذلك بالطبع هي دراسة القرآن, التي تَعِد في السنوات القادمة بأن تكون, على الأقل,مستمرة وساحرة ومهمة كما كانت دراسة الكتاب المقدس في هذا القرن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق