الأحد، 6 نوفمبر، 2011

تأملات في تاريخ ابليس .. Meditations in the history of the Devil

اعتذار شجاع ... محاولة للتعرف على كيان الشيطان و لو عبر خطاب الذين يعادونه .. لاسيما الله ( مصدر معلومات العوام عنه ) على الأقل حاليا سنستعرض تطوره

An apology for the devil: it must be remembered that we have heard one side of the case. God has written all    Samuel Butler
كما قال باتلر بأننا ندين للشيطان باعتذار لأن تقييمنا له يكون عبر كلام من احتكر الخطاب ..الطرف الثاني من القضية ( الشيطان ) لم
نرغب في سماعه إلا قليلا فهل نحاول الإصغاء . ربما كان لديه ما يغير الكثير من قناعاتنا البسيطة أو العميقة .
1-  بدئيا يمكن القول أن الشيطان حمل أوزارًا لا دخل له بها حيث أقحم الله نفسه في تناقضات كريهة لعجزه عن تجاوز غروره ( إشارة الألهة لغرور الشيطان هو نوع من
الإسقاط النفسي الإلهي) وسنتحدث في الأدلة فيما بعد
2-  الشيطان شرير بطبعه ولديه القدرة على الفعل أيضا و لكن صار أداة استغلها الشرير الحقيقي الله (هو قادر على التمييز والفعل في المجالين الخير والشر) فنستنتج أن الله هو شيء غير كلي القدرة كما يزعم كما أن تخاذله عن التدخل الفاعل في حياة البشر لدرء الأذى الذي يلحق بمن يدعي أنهم أحباؤه(البشر) هو عجز حقيقي و لا أعتقد ان هكذا شيئا يستحق الاحترام بل وحتى الاعتراف به كوجود و الأفضل إعلان موته أو قتل سطوته على أذهاننا لدرجة تحولت الأديان فيها لذهان جماعي يغرد فيها المتدينون معتقدين أنهم فعلا عصافير تطير بينما السقوط المتواصل المتكرر هو أفضل وصف لحالهم إلى أن يكتمل التخلف البشري ( حاول عالما خاليا من العلمانيين أو الملحدين وتصور كيف كان سيكون الحال اجتماعيا سياسيا علميا ...الخ) .. لطالما أفاد الحمقى من إبداع المتحررين من تلك الهواجس لولا تحررهم لما اشتغلوا في الاستنساخ لحل مشاكلنا التي نواجهها وحدنا لولا تحررهم ولو في مجال العمل مرحليا لحظيا لما فهمنا أجسادنا لتحريم التشريح بعد الموت ..
3-  الاحتمال الأهم بنظري هو التواطؤ القذر بين الشيئين للعب مع الإقرار بان اللعب قيمة وجودية عظيمة لكل الموجودات بما فيها تلك الأشياء الأكثر قدرة منا حسب ادعاء مصادر تلك الأشياء..
* هل كان الشيطان مخلوقا شريرًا (مع التحفظ على كلمة الشر) لنلق نظرة سريعة على التاريخ لا سيما المسجل و سأبدأ بالأديان الإبراهيمية أو التوحيدية ( نسبة لتوحيد الله طبعًا و ليس الشيطان ) .
كلمة الشيطان (ابليس ) كأصول نجد الأصل الكنعاني – الفينيقي بعل زبوب (وفي السريانية بعل دبابا) , من ثم أصبحت في اليونانية بعل زبول والتي أصبحت بعدئذ ديابولوس و هو الأصل اليوناني ومعناها المشتكي .
كما نجد بالعبرية (
שָׂטָן ) "سيتن شيتن" ..... بالاغريقية..( Σατανάς ) .... سيتاناس: في السريانية צטנא "سيطانا"
ثمة تشابه أيضا بين مدلول كلمة (ست) المصريين ومدلول اسم الشيطان في اليونانية .
تدرج اسمه في مدى واسع جدا ربما له دلالة على عظمة دوره الوجودي فقد جاء بمعنى الخالق كما جاء بكبير الأرواح الساقطة و الحية القديمة ... أسماؤه العديدة تدل على دوره غير المحدد تماما في الوجود و خاصة العلاقة مع البشر و الله الشيطان اسم يدل على كيان متمايز عن الإنسان و الله و الجن ( البعض اعتبره من الأخير) و يرتبط بالشر ويوجد فرق هام و واضح بين نظرة الأديان الابراهيمية ( التوحيدية السماوية) وغيرها من الديانات والثقافات إلى الشيطان حتى الأديان الابراهيمية و التي يرجع لها الصورة التي كونها الكثيرون عن الشيطان كان فيهم قسم نظر بحياد و بعيدا عن الانفعالية الحمقاء و رأى جوانب اخرى نورانية في الشيطان .

1- لم يكن له ظهور واضح في البدايات العهد القديم :
مثلا في (
the Book of Job ) يظهر ضمن أبناء الله الكائنات السماوية , حتى فيما بعد أيضا لم يكن له هذا الوجود المستقل بتصرفاته ولا قوة مستقلة للعمل بل كان عضوا في المجلس الأعلى و بما أنه مرتبط بفكرة الشر فقد كان هذا دوره المناط به من قبل الرب أي كمحامي الإدعاء العام كما جاء في التوراة بمهمات أكبر و سلطات أوسع بحيث إذا اجتاز أحدهم الاختبارات الإلهية التي ينفذها الشيطان ( انظر قصة أيوب ) تدخل هو لإظهار الشر و دفعه للتجلي لا أكثر ( دور وظيفي صريح يؤديه للرب) حيث يأخذ دور المراقب العام و يرفع التقارير عن النشاط البشري إلى المجلس الأعلى.
الواضح أن العهد القديم كان مؤمنا بمحدودية قدرة الشيطان على العمل المستقل بل يتطلب تحركه أمرا من الله ..وفيما بعد يتطلب إذنا ( استقلالية أكبر) فهل هذا يدل على خصومة أو معارضة لله أم كان جزءا من منظومة ؟؟!!

يظهر بأوصاف عديدة ولم يكن له حضور كبير في التوراة نفسها لأن الله كان يحتل الساحة كلها ( لذلك علاقة بتجاور اليهود و الإغريق و الحضارات الأخرى فقد كان بحاجة لإله قوي عظيم كمثال لهم و لمواجهة الأمم الأخرى ووجود آلهة عديدة قوية للشر في معتقداتهم)
فيما بعد يظهر باسم الشيطان و الملاحظ أنه بتخصيص اسمه صار دوره أكبر ووصف كخصم في نصوص تالية ..خصم ليشوع والكهنة و تارة بمواجهة ملاك الرب ( جبرائيل ) و تارة كخصم لشعب الله المختار.
هناك من عزا سبب تغير النظرة إليه ( بمعنى آخر تطور الشيطان لأدوار أكثر فاعلية و اتساما بالاعتراض و التعرض للغبن و تعاظم دوره كندّ ) عائد لدخول تأثير الزرادشتية إلى الكتاب المقدس
في العهود الأحدث تطور أكبر حدث بظهور قصة الملاك الساقط كما في ال (أبوكريفا)

- apocrypha باختصار هي النصوص غير موضع الإجماع العام المنحولة من التوراة خاصة بينما الأصل هي الكتب السرية لا يطلع عليها إلا القلة) للاستفاضة اذهب للرابط


في سفري زكريا و أيوب تظهر كلمة الشيطان الأكثر تخصصا مع أنه يظهر قبل ذلك في
- المزمور 109/6 "فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيراً وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِه."
- سفر أخبار الأيام الأول 11: 1 "1وَوَقَفَ الشَّيْطَانُ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ وَأَغْوَى دَأوُدَ لِيُحْصِيَ إِسْرَائِيلَ.".
- كما تظهر في سفر صموئيل الثاني 24: 16 "وَبَسَطَ الْمَلاَكُ يَدَهُ عَلَى أُورُشَلِيمَ لِيُهْلِكَهَا، فَنَدِمَ الرَّبُّ عَنِ الشَّرِّ وَقَالَ لِلْمَلاَكِ الْمُهْلِكِ الشَّعْبَ: "كَفَى! الآنَ رُدَّ يَدَكَ.".

**هناك فكرة سنهتم فيما بعد أكثر بها وهي تشير للسقوط... كما لمكانة الشيطان قبله .
-  سفر إشعياء نجد صورة رمزية للشيطان والذي دعي بزهرة بنت الصبح قاهر الأمم الذي اعتقد أنه يستطيع أن يسمو بمجده إلى مجد الله فيصير مثل العلي ، وهذا كان سبب سقوطه إلى أسافل الأرض ( إشعياء 14 )

ومرة أخرى في سفر حزقيال الإصحاح 28 قصة السقوط رمزيا و بشكل محزن تجده هنا


2- في العهد الجديد تقترب صورة الشيطان من التي يتبناها الكثيرون اليوم فمن خلال النصوص التالية : مرقس 5:(1- (23-27))
كما في لوقا 8: (28-39)
و لدينا أيضا حرب الشيطان ضد الكنيسة و التبشير بهزيمته في آخر الأزمنة في :

أول شيء فعله يسوع عندما حمل الرسالة كانت أن ذهب للبرية ( حيث الشيطان ليصوم 40 يوما و40 ليلة وتحداه الشيطان فهزمه يسوع ,انظر في مرقس5:(1 -13) خاض يسوع صراعا من بداية التبشير ضد الشيطان ( باعتباره سيد الشر و الأرواح الشريرة ) و تابع تلامذته الحرب ضده وكأنه الرسالة الوحيدة له في نشر المحبة يتلخص بدحر الشر و سيده ( لم يخبرنا يسوع بسبب هذا الموقف المتطرف ..) لعدم توضيحه أي شيء غير أنه روح نجس و شرير .على ما بدا باعتباره ابن الرب لم يكن بحاجة ليشرح له أحد فيشرح لنا بدوره ..على الأقل العهد القديم وضعنا أمام صورة ديناميكية له و حيوية و فصل جيدا العلاقة بين الله و الشيطان سواء حين كان مهملا نوعا ما أو بعدما أخذ المكانة العظيمة في التاثير على الكائنات ..

استعمل في العهد الجديد للإشارة إليه الاسم العبري ( الشيطان ) ... كملاحظة هي تعني المقاوم.... واستعملوا
diabolos اليونانية .. ( المشتكي) (ابليس)
(أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ.) ( أشعياء 14 :13 - 15.)
نجد أيضا أن الشيطان باعتقادهم كان من الملائكة
الغرور و الكبرياء تسببا بنفيه إلى جهنم مع ثلة من الملائكة أيضا تحولو إلى أرواح نجسة ولكنهم يستطيعون الوصول إلى الأرض لأنه لم يخسر كل قواه بعد النفي و بقي أقوى من الإنسان بكثير ...
3- الشيطان في الإسلام : ( سأتناوله في مقالات عديدة ومن عدة وجهات نظر )
يصنف مع الملائكة المطرودة الساقطة من السماء أو الملكوت العلوي كما في بعض الثقافات الأخرى سبب طرده الظاهري هو عدم السجود لآدم بينما السبب الضمني واضح وهو الغرور الاستكبار مع أنه من الغريب هذا الانقلاب الحاد في دوره بالتحول إلى شرير طافح بالشر بعد أن كان من الأخيار كان عابدا بل صنفه البعض بل صنفه البعض ككبير الملائكة
(كان اسمه عزازيل وكان من أشرف الملائكة أولي الأجنحة الأربعة) في حديث عن ابن عباس  
تأثيره ( الأذى والغواية) حسب الإسلام يقتصر على غير عباد الله وهذا كان اتفاق التحدي ليثبت لله أن عدم سجوده لآدم كان في مكانه لمعرفته بطبيعة الإنسان الفاسدة الدموية هذا التحدي وضع بينه و الله معاهدة ولكن لا ننسى أنه صار ممن سيدخلون الجحيم يوما خالدا مخلدا سواء كذات فرد أو كنوع لأنه هناك من المفسرين المسلمين من يعتبره كائنا ماورائيا آخر ( الجن) 
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا{{الكهف-50}} انظر تفسير ابن كثير
الكافر من الجن اسمه شيطان كصفة أما وظيفته فقد قلنا هي تدمير الانسان خاصة في القيامة ليحرمه من الفردوس 
الشيطان لم يعد يربطه بالله شيء غير الانسان العدو الاول له حسب راي الاسلام صورة الشيطان واضحة قرآنيا و صفاته محددة وتصرفاته معروفة ويعتمد في عمله على الجانب المظلم من الانسان الشر.

- أما في الميثيولوجيا ليس موضوعي الرئيس حالياً وباختصار لا نجد هذا الشيطان الأكاديمي بل ممثلو الشر كانوا كثرا ففي كل حضارة كنت لتجد كائنا ً مميزًا ولكنهم آلهة وقدراتهم هائلة لدرجة استعانَ الخيرُ مرارًا بالسحر لينتصر كمردوخ في صراعه مع تيامات ..كالي عند الهندوس أيضا ربة عصر الطلام و الدمار, وعند الفراعنة سيث الأقرب  للشيطان كممثل للشر ...الخ
لاحظ الدارسون أن تلك الألهة تلك ( الشريرة ) لا يتدخلون كثيرا في حياة البشر 
صراعاتهم بين بعضهم .. آلهة تود بسط سلطانها على كل العوالم و ليس البشر استثناءً مع أن البشر كانوا من الخدام المريحين للآلهة  بمعنى الخدمة كما التقديس و الاعتراف بسلطان تلك الكائنات الماورائية .
ملاحظة بعض علماء المسلمين رأوا فيه و سموه الموحد الاكبر( رفض السجود لغير الله) لو ترسخ هذا في الفكر الإسلامي لكانت ثورة في صورة الشيطان في التراث الإسلامي ليست فكرة مبتكرة تماماً ولكنْ بناؤها الإسلامي متين جدا هذا ما سأتناوله بالإضافة لفرضية أو أطروحة جديدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق